ثلاثة يعملون بقرار واحد، وكل منهم يشير إلى موضع غير الذي يشير إليه صاحبه. ولم يخطئ منهم أحد.

خمس صور متطابقة

اجتمع مجلس وتداول وانتهى إلى ما انتهى إليه. ثم خرجت الواقعة في صور متعاقبة: النتيجة التي أُعلنت في الجلسة وسمعها الحاضرون، والمسودة، والمحضر الموقع بعد ثلاثة أسابيع، والقيد في النظام، وخطاب التبليغ إلى الإدارة المنفذة.

والصور الخمس متطابقة. لم يسقط منها شيء، ولم يتغير فيها لفظ. وليس في الأمر فاقد ولا خلاف؛ إنما لم يكن في المسار موضع واحد معلوم أنه المرجع الذي تتحرك عليه بقية الطريق.

فالمسار لا يتحرك على واقعة؛ يتحرك على أثر منها. وهنا يفترق أمران يُخلط بينهما كثيرًا: القرار في الواقعة حدث وقع، والقرار في المسار تمثيل لذلك الحدث اعترف به الطريق مرجعًا لما بعده. وليس السؤال هنا: متى صار القرار صحيحًا؟ ولا: من ملك حسمه؟ بل: أي صورة منه تتحرك عليها بقية الطريق؟

فجوة الابتداء وتعدد المرجع

قد لا يكون أحد قد قرر ذلك أصلًا. فالمنشأة قررت من يحسم، وقررت كيف يوثق، ولم تقرر ما الذي يُعامل بوصفه القرار. فتعيّن التمثيل في كل موضع بنفسه: كل وسيط يعمل على ما يستطيع أن يقرأه، وكل عامل يعمل على أول ما بلغه مما يكفيه.

وتعدد الصور ليس عيبًا في نفسه. فلكل وعاء وظيفة: المحضر يُثبت، والقيد يشغل، والتبليغ يوصل. والعيب أن تتعدد الصور ولا يكون بينها معلوم أنه المرجع الذي يحمل القرار لما بعده، ولا يُعرف متى يبدأ المسار معاملته كذلك.

ولذلك أثران لا يظهران في الملف. أولهما فجوة الابتداء: فبين الجلسة والقيد ثلاثة أسابيع، والعمل فيها لم يقف. فالإدارة التي بدأت من المسودة عملت في مدة لم يكن للمسار فيها قرار يعترف به. ولو سُئلت بعد ذلك: بأي شيء عملت؟ لأشارت إلى بريد. وليس البريد عندها خطأ؛ هو أول ما بلغها، ولم يقل لها أحد: انتظري.

وثانيهما تعدد المرجع. فإذا احتيج يومًا أن يُرجع إلى ما تقرر، لم يكن الرجوع إلى موضع واحد؛ بل إلى الموضع الذي يقرؤه كل طرف في بابه. وقد تتفق المواضع كلها فلا يظهر شيء؛ والتطابق لا يغني عن تعيين المرجع.

بأي صورة تعمل؟

لا يكشف هذا الموضع سؤال: متى اعتمد القرار؟ فهذا سؤال عن الحسم، وله موضعه. السؤال الذي يخص المسار: على أي صورة من صور هذه الواقعة تتحرك بقية الطريق بعدها؟

ولا يُطلب جوابه من وثيقة. يُؤخذ قرار واحد وقع، ويُسأل عنه ثلاثة يعملون به: المنفذ، ومن يصرف عليه، ومن يراجعه. ويقال لكل منهم سؤالان: بأي صورة تعمل؟ وإذا احتجت إلى الأصل الذي تستمد منه هذه الصورة صفتها، إلى أين ترجع؟

فإن تعددت الصور وانتهت كلها إلى مرجع واحد معلوم، فلا عطب هناك؛ فتعدد الصور وظيفة، وتعدد المراجع علة. وإن كان كل باب يرى صورته هي الأصل بذاتها، ولا يعرف وراءها موضعًا يحمله المسار، فلكل باب قراره.

ثم يبقى سؤال ثالث: ومتى بدأ المسار يعامله بهذا الوصف؟ فإن لم يكن لذلك جواب معلوم، فبين وقوع القرار واعتراف المسار به مدة يعمل الناس فيها بما بلغهم، ولا يعمل المسار بشيء.

الذي يتحرك في المسار ليس مجرد ما قيل في الواقعة؛ بل ما اعترف به المسار قرارًا.