حين تبلغ المسألة من يحسمها، تكون قد أخذت صورة بعينها. والصورة ليست المعلومات؛ هي ترتيبها، ومقاديرها، وأسماؤها.
القالب الذي سبق الواقعة
خذ مذكرة تُعرض على مجلس. قالبها معتمد في المنشأة، وتُبنى عليه كل مذكرة. خانته الأولى: التوصية. ثم الموضوع، ثم الأثر المالي، ثم المدة. وفي وسطه جدول عنوانه «المكاسب المتوقعة»؛ خاناته: البند، ومقداره، وأجله، وأثره. ويليه حقل حر عنوانه «ملاحظات». وفي آخر الملف ملحق عنوانه «المخاطر».
فجاءت المذكرة مستوفاة كل شيء. التوصية مذكورة، والمكاسب مذكورة، والمخاطر مذكورة. لم يغب عن الملف شيء. غير أن من قرأها بدأ من التوصية، وأمضى في جدول المكاسب ما أمضى، ثم بلغ سطرين في «ملاحظات». والمخاطر في الملحق، والملحق يُقرأ إن بقي وقت.
ولم يقصد كاتب المذكرة شيئًا من ذلك. هو لم يختر أن تتصدر التوصية وأن تتذيل المخاطر؛ وجد القالب هكذا فملأه. فالخلل ليس في المعلومة، ولا فيمن كتبها، ولا في القرار الذي انتهى إليه المجلس؛ الخلل أن الترتيب الذي رُئيت به المسألة لم يقرره أحد في هذه الواقعة.
المقيس والموصوف
القالب قد يعرض ما يؤيد التوصية وما يقيدها بموازين غير متماثلة. فللمكاسب جدول تملأ خاناته بالمقدار والأجل والأثر، وللمخاطر ملحق يُكتب فيه ما يُكتب. فيقع أمام القارئ مقروءان: أحدهما مقيس منظم، والآخر كلام متصل. ولا تستوي الموازنة بين مقيس وموصوف؛ لا لأن أحدهما أرجح، بل لأنهما لم يُعرضا على ميزان واحد.
ثم تأتي الأسماء. فما سُمي «التوصية» صار له في الصفحة موقع صاحب الدار، وما سُمي «ملاحظات» صار حاشية تُذكر بعده. والاسم في القالب لا يصف فقط؛ إنه يرتب في الذهن قبل أن يبدأ النظر.
وليس كل ترتيب ترجيحًا. فالعرض يحتاج إلى اختصار وترتيب، ولا يمكن أن تتساوى المعلومات كلها في الموضع والمساحة. وإنما يبدأ العطب حين ينقلب التنظيم إلى ترجيح لا يظهر أنه ترجيح. ولا شيء في هذا كله مخالفة ولا خديعة. القالب معتمد، والمذكرة مطابقة له، والمعلومات صحيحة كاملة. الوسيط لم يقل للحاسم ماذا يقرر؛ قال له من أين ينظر.
افحص القالب فارغًا
لا يبدأ فحص هذا الباب بالمذكرة المكتملة؛ يبدأ بالقالب الفارغ قبل أن يُملأ. فيؤخذ القالب المعتمد وحده، ويُسأل عنه ثلاثًا: ما أول ما وعد بأن يُرى، وما آخره؟ وهل أعطى ما يقيد النظر من المساحة والتفصيل ما أعطى ما يدعمه؟ وهل يُعرض المؤيد والمقيد بالمعايير نفسها؟
فإن كان القالب نفسه يخص ما يؤيد التوصية بالصدارة، أو بالقياس المنظم، أو باسم يجعله أصلًا وما يقيدها تابعًا، فالقالب يحمل ترجيحًا سابقًا على كل واقعة ستُعرض به؛ وسيتكرر في كل مذكرة تُبنى عليه، وإن اختلف موضوعها ومن كتبها ومن نظر فيها.
قد لا يختار الوسيط القرار. لكنه قد يختار الزاوية التي يراه منها صاحبه.