انتهت لجنة في محضرها إلى: «الموافقة على التعاقد بشرط الحصول على موافقة الجهة المختصة قبل التوقيع». والمحضر صحيح صادق لما جرى.

العطب بين وعاءين

ثم رُفعت إلى الرئيس مذكرة اعتماد مختصرة، جاء فيها: «اللجنة توصي بالموافقة على التعاقد». واعتمدت. ثم صدر أمر التنفيذ: «الموافقة على التعاقد»؛ فوُقع العقد قبل أن تُطلب موافقة الجهة المختصة.

ولو فُحصت الوثائق الثلاث كل واحدة في حدودها لبدت سليمة: المحضر أثبت ما وقع، والمذكرة مكتملة البناء موجزة في موضع الإيجاز، وأمر التنفيذ واضح فيما يأمر به. ولا يظهر العطب إلا حين تُقرأ الثانية على الأولى، والثالثة على الثانية.

فالعطب لم ينشأ من فساد وعاء في ذاته؛ ظهر في تحويل ما خرج من وعاء إلى ما دخل في الذي يليه. وتُفحص الوثائق في المنشآت واحدة واحدة: أصحيح المحضر؟ أمستوفاة المذكرة؟ أمطابق أمر التنفيذ لما اعتمد؟ أما ما بينها فأقل ما يُفحص. ولكل وثيقة صاحب يراجعها، ولا صاحب لما بينهما.

ثلاثة أنواع من الفاقد

ليس في هذا دعوى أن الاختصار عيب في نفسه. وكثير من نقاط التسليم تقتضي اختصارًا أو تحويلًا من وعاء إلى آخر، ولو نُقل الملف كله في كل خطوة ما بقيت للتلخيص فائدة. وإنما الفرق بين ما يجوز أن يسقط وما لا يجوز: فما كان شرحًا أو تفصيلًا أو تكرارًا فمحله الاختصار. وما قيد القرار، أو علقه على شيء، أو حد نطاقه؛ فليس تفصيلًا فيه؛ إنه جزء منه. ومتى سقط، لم يُختصر القرار؛ صار قرارًا آخر. وما بغيره تُقرأ العبارة على غير وجهها، فهو منها وإن لم يكن قيدًا فيها.

والقرار لا يقيم في وعاء واحد؛ ينتقل. وفي كل انتقال نقطة تسليم يخرج منها شيء ويدخل شيء. وما دخلها ولم يخرج منها كما هو فهو فاقد العبور، وهو ثلاثة أنواع لا يُخلط بينها.

فقد المحتوى: أن يسقط شيء كان مكتوبًا فلا ينتقل. تحفّظٌ سجّله عضوٌ في المحضر، ثم لم يجد له في المذكرة موضعًا فبقي حيث كُتب. لم يُحذف ولم يُنكر؛ لم يُحمل.

فقد السياق: أن ينتقل الشيء ويتخلف عنه ما يُفهم به. فتُنقل عبارة الإدارة: «الخيار الثاني أقل كلفة»؛ ولا ينتقل معها أن ذلك صحيح ما بقي حجم الطلب عند حد معين. فالعبارة انتقلت حرفًا بحرف، وصارت خطأ.

فقد الصفة: وهو أخفاها وأشدها؛ أن ينتقل المعنى وتسقط صفته. فالموافقة المشروطة تصل موافقة، والتوصية تصل قرارًا، والموافقة المبدئية تصل موافقة. ولا تُقاس هذه بالكلمات التي سقطت؛ فكلمة واحدة هي التي سقطت، وقد انقلب بها القرار من موافقة مقيدة إلى موافقة مطلقة.

افحص المفاصل

نقطة التسليم ليست وثيقة تُفتح ولا حقلًا يُملأ؛ هي فراغ بين وعاءين. ولذلك لا تدخل في المراجعة أصلًا. ثم إن الوعاء الذي وصل إليه القرار ناقصًا يبدو سليمًا تمامًا، وليس فيه ما يشير إلى أن شيئًا لم يبلغه.

ولهذا لا يُبلغ هذا العطب من فحص الوثائق؛ يُبلغ من فحص المفاصل. يُؤخذ قرار وقع، فيُتتبع من أول وعاء حمله إلى آخر وعاء عمل به الناس. ثم يوضع عند كل انتقال مخرج الأول بجانب مدخل الثاني، ويُسأل: أخرج كما دخل؟ فإن لم يخرج، فأي الثلاثة سقط: محتوى، أم سياق، أم صفة؟

فإن وُجد الفاقد، فلا يكفي الرجوع إلى كل وعاء منفردًا؛ فقد يبدو كل واحد سليمًا في حدوده، ويبقى العطب في التحويل بينهما. المطلوب أن يُعرف أن في هذا المسار موضعًا يمر به القرار فيخرج منه أقل مما دخل؛ وأن من يعمل بالقرار في آخره إنما يعمل بما بلغه، لا بما تقرر.

سلامة الوسائط لا تضمن سلامة القرار بينها.