جاء بعد عامين من يريد أن يعرف كيف انتهت واقعة إلى ما انتهت إليه. وفُتح له الملف، وليس فيه ما يُعاب: المحضر الموقع، ودراسة المخاطر، والعرض الذي قُدم، والمراسلات التي سبقته، والتقرير المالي، والمرفقات في النظام. ولا وثيقة مفقودة.

كل شيء محفوظ

وجد دراسة المخاطر في ثلاث نسخ، بثلاثة تواريخ، وليس فيها ما يقول أيتها كانت بين يدي من حسم. ووجد في النظام مرفقات أُضيف بعضها بعد الجلسة وبعضها قبلها، ولا يفرق بينها شيء. ووجد سلسلة مراسلات فيها رأي فني مهم، ولا يُعرف أبلغ المجلس أم بقي عند مرسله.

فالمواد كلها محفوظة، والرابط بينها وبين لحظة الحسم ذهب. ويُقاس حفظ القرارات في المنشآت بسؤال واحد: أالملف موجود؟ فإذا وُجد، عُد الأمر منتهيًا. وهذا الملف موجود كله.

ثلاث درجات

وجود الأثر: أن يبقى الشيء في مكان ما من المنشأة. وهذه هي التي تُقاس ويُطمأن إليها، وهي أقل ما يلزم لا أكثره.

اتصال الأثر بالواقعة: أن يُعرف أن هذا الأثر بعينه هو الذي كان في تلك اللحظة، لا شبيهه ولا نسخة أخرى منه. وهذه أخفاها؛ لأن غيابها لا يُنقص من الملف شيئًا، بل قد يزيده. فتكثر النسخ ويتسع الملف ويقل ما يُعرف منه.

كفاية الأثر: أن يكون ما بقي مجتمعًا كافيًا ليُفهم القرار على وجهه.

والدرجة الثانية هي التي يُخطئ فيها الظن غالبًا. إذ يقال: كل شيء محفوظ. وهو صحيح. لكن الذاكرة ليست مجموع الوثائق؛ هي وثائق وروابط. والوثيقة التي لا يُعرف موضعها من الواقعة معلومة في مستودع، لا ذاكرة لقرار.

ما في رأس الرجل

للملف حالان لا يُنتبه إليهما. فما دام من حضر الواقعة باقيًا في موضعه، يُقرأ الملف بذاكرته لا بمحتواه. يُفتح فيقال: نعم، هذا هو الذي عُرض، وهذه النسخة هي المعتمدة، وهذا الرأي وصل. فيبدو الملف كافيًا، وإنما الكافي ما في رأس الرجل. فإذا انتقل عن موضعه، بقي الملف كما هو وقل ما يُفهم منه؛ من غير أن تكون ورقة واحدة قد نقصت.

ولهذا كان معيار هذه الحلقة شخصًا لا وثيقة: من لم يحضر. ولا يُطلب أن يُعاد بناء كل شيء؛ فليست الغاية أن تُستعاد الجلسة، ولا أن يُعرف كل ما قيل فيها. إنما القدر اللازم أن يُعرف: ما الذي عُرض، وعلى أي شيء بُني، وما البديل الذي تُرك، ولماذا رُجح ما رُجح.

وليس هذا القدر واحدًا في كل قرار. فقد يكفي في قرار بسيط أثر قليل، بينما يحتاج قرار قام على نماذج وافتراضات ونسخ متعاقبة إلى أكثر من ذلك؛ فالكفاية تُقاس بما يلزم لفهم القرار نفسه، لا بقائمة ثابتة تُفرض على القرارات كلها. فإذا عُرف هذا القدر، فقد بقي القرار مفهومًا. وإذا لم يُعرف، فالمحفوظ ملف، لا قرار.

وليس هذا باب الحكم على القرار. فلسنا نسأل: أكان صوابًا؟ ولا: ماذا آل إليه؟ بل: أيُستطاع فهمه أصلًا؟ فالحكم فرع الفهم، ولا يُقدم عليه.

اختبار الاستعادة

يُختار قرار مضى عليه عامان، ويُسلم ملفه كاملًا إلى من لم يحضر واقعته ولم يعمل عليه، ولا يُعان بأحد. ثم يُطلب منه أن يكتب في صفحة واحدة: ما الذي تقرر، وعلى أي شيء بُني، وما البديل الذي تُرك، ولماذا.

ثم تُعرض صفحته على من حضر. فما استطاع أن يكتبه هو ذاكرة المنشأة. وما عجز عنه فهو عند أشخاص لا عندها؛ يمضي بمضيهم، ولا يُورث في ملف.

اكتمال الملفات لا يعني اكتمال ذاكرة القرار.