يُقرأ سجل المنشأة على أنه سيرة ما جرى فيها: طلب رُفع، ومسار سلكه، واعتماد وقع في موضعه. وبعض ما في السجل لم يجر في السجل.
واقعة سبقت قيدها
خذ واقعة لا تحتمل الانتظار. مسألة ظهرت ليلة الخميس ولها أثر يفوت بفوات وقته، فبُلّغ صاحب الصلاحية وأذن، وعُمل بإذنه. ثم فُتح النظام صباح الأحد ليُدخل ما وقع.
هنا تظهر صورتان متقابلتان. ففي منشأة للنظام فيها موضع يحمل هذه الحال، يُقيد القرار بتاريخ وقوعه لا بتاريخ إدخاله، ويُوسم بأنه خرج عن الطريق المعتاد، ويُذكر سبب الخروج ومن أذن به؛ ويبقى في السجل أن القيد لاحق للفعل. فيُقرأ بعد سنة على وجهه: واقعة عاجلة أُذن فيها، وأُثبتت بصفتها.
وفي منشأة ليس للنظام فيها إلا باب واحد، يُفتح طلب صباح الأحد، ويأخذ تاريخ الأحد وتسلسله، ويمر في مواضع الاعتماد واحدًا بعد آخر في دقائق، فيخرج من السجل طلب رُفع الأحد واعتمد الأحد. وما جرى ليلة الخميس لا أثر له في سيرة العمل.
وليس الفرق بين المنشأتين في الحكم ولا في الناس؛ هو في موضعين يحملهما الوسيط الأول ولا يحملهما الثاني: أن يميز تاريخ الفعل من تاريخ القيد، وأن يحمل صفة الخروج وسببه. فإن لم يحملهما، فليس فيه ما يحفظ للقرار العائد الطريق الذي جاء منه.
الخروج ثم العودة
الوسيط الذي لا يعرف كيف يسجل الخروج لا يمنعه؛ يمحو صفته. وليست هذه صورة واحدة، بل صورتان تشتركان في «الخروج ثم العودة» ولا تستويان.
فمنها خروج مشروع: للحكم نفسه باب يجيز مفارقة الطريق المعتاد عند حال بعينها، فيُسلك ذلك الباب بضوابطه. والعطب هنا ليس في الخروج؛ العطب أن يعود القرار بلا الصفة التي خرج بها.
ومنها طريق مواز: أن يقع العمل خارج المسار الحاكم كله، في مراسلات ومحادثات واتصالات، حتى إذا استقر وانتهى أُدخل في النظام ليأخذ صورته الرسمية. فلا يكون النظام عندئذ مسارًا حمل القرار؛ يكون مسرحًا أُعيد عليه ما جرى في مكان آخر.
وهذا ما يجعل الطريق الموازي أخفى من الغياب الصريح. فالقرار الذي بقي خارج النظام كله يمكن أن يُكتشف غيابه؛ أما الذي وقع خارجه ثم عاد، فيختفي خروجه داخل وجوده. وتصير سلامة السجل سببًا في خفائه: كل شيء موجود، وترتيب الوجود لا يطابق ترتيب الوقوع.
ما الذي يمحوه القيد؟
حين لا يجد الوسيط للخروج صفة يحملها، يعامل الصورتين معاملة واحدة. فيستوي في السجل ما أُذن فيه وما لم يُؤذن، وما فُتح له باب وما التُمس له باب بعد وقوعه.
ويترتب على هذا الاستواء أولًا أن المنشأة لا تعرف عن نفسها كم مرة فارق قرارها طريقه المعتاد. ولو أرادت أن تعرف، لم يكفها أن تسأل: أكل القرارات في النظام؟ فجوابه نعم، وهو جواب لا يكشف شيئًا. وإنما تحصر، من غير طريق السجل نفسه، ما ثبت أن فعله سبق قيده، ثم تقابله بما يظهر منه في السجل بهذه الصفة؛ والفرق بين العددين هو مقدار ما محاه القيد من خروج وقع فعلًا.
وثانيًا أن الخروج المشروع يُظلم مع غيره. فمن سلك بابًا يجيزه الحكم يستحق أن يُقرأ فعله على وجهه بعد حين، فإذا دُفن مع الطريق الموازي في صورة واحدة، لم يبق لسلوكه الباب الصحيح أثر يميزه. وثالثًا أن الخروج بلا إذن يصير أهون مما كان؛ فحين يستوي الطريقان في الأثر، لا يبقى للطريق الأصعب ما يرجحه.
ولا يقال إن الأصل ألا يخرج القرار عن طريقه. فالعجلة واقعة، والحكم نفسه قد يفتح لها بابًا. ثم إن الوسيط الذي لا يحتمل صورًا من الواقع يدفع العمل إلى خارجه دفعًا، ثم يستقبله بعد أن يقع. فالمطلوب ليس منع الخروج؛ المطلوب ألا يعود بلا صفته.
ليست كل عودة إلى النظام دليلًا على أن القرار مر به.