سبعة أصوات… وسؤال فني واحد.

قبل اللجنة كان للمسألة صاحب. وبعدها صار لها سبعة أعضاء. وسؤال «من يقرر؟» كان له جواب في سطر، فصار له جدول أعمال.

وأشدّ من ذلك مسألة فنية دقيقة لا يملك تفصيلها إلا مختص واحد في المنظمة. شُكّلت لجنة ليسمع رأيه ورأي من يتصل عمله بالمسألة، وهذا صواب.

ثم اختلفوا في سؤال فني قابل للتحقق: هل يحقق هذا الحل الاشتراط المحدد أم لا؟ فصوّتوا. وصار الذي يعرف صوتًا من سبعة.

والواقعة الفنية القابلة للتحقق لا تصير أصدق بالأغلبية. الذي يحتمل التصويت هو المفاضلة بعد ثبوت الحقائق، لا الحقيقة نفسها.

ولماذا تبدو اللجنة لازمة؟

الحاجة حقيقية: المسألة تمس أكثر من إدارة، ولا يستقيم أن ينفرد بها أحد من غير أن يسمع غيره. لكن المنظمة قد لا تجد مسارًا موثقًا لجمع الرأي إلا اللجنة.

فأحيانًا لا تُنشأ اللجنة لأن القرار يحتاج جماعة، بل لأن المشورة تحتاج أثرًا مكتوبًا.

رأي جماعي، أو قرار جماعي

الحاجة إلى أن تسمع من خمسة ليست الحاجة إلى أن يقرر خمسة.

القرار الجماعي

يكون الاختصاص ممنوحًا للجماعة بصفتها، فيصير القرار قرارها، وتُسأل عنه بصفتها.

الرأي الجماعي

تُجمع الآراء، ويُوازن بينها، ويبقى الحسم عند صاحبه. ويُسأل عن قراره ولو خالف الأكثرية.

والتصويت لا يصنع سلطة. فاللجنة لا تصير صاحبة قرار لأن محضرها قال «قررت» بدل «رأت». الاختصاص يُمنح بأداة معتبرة، ولا ينشئه لفظ في محضر.

وقد يصنع لفظ المحضر انطباعًا بأن المسألة قد حُسمت. فالسؤال يسبق المحضر: من مُنح الحسم أصلًا؟

من أين تأتي سلطة اللجنة؟

تفويض معتبر

ينقل الحسم في حدوده.

قرار تشكيل ممن يملك منح الاختصاص

يمنح اللجنة اختصاصًا محددًا.

نظام أو لائحة

ينشئ اختصاصًا جماعيًا.

ويكون القرار الجماعي في موضعه حين نحتاج توازنًا بين مصالح متعارضة، أو استقلالًا عمن له مصلحة، مثل بعض لجان التظلم والترسية. أما الخبرة وحدها فليست سببًا كافيًا لنقل الحسم.

ما الذي يصحّ التصويت عليه؟

التصويت أداة حسم، لا أداة إثبات فنّي.

فقبل أن تُصوّت اللجنة، يُسأل: هل هذا أمرٌ يُثبت بمرجع أو فحص؟ فإن كان كذلك فموضعه الإثبات لا التصويت. ولا يُثبت الواقعةَ عددُ من قال بها، ولا اختصاصُ من قال بها؛ وإنما تثبت بما يُعرض عليها من مرجع أو فحص.

وإن كان تقديرًا فنيًا يحتمل الاختلاف بين المختصين، فلا يحسمه عدّ الأصوات. تُعرض حججه، ويُثبت الخلاف ومسوّغاته، ويُطلب رأي مستقل إن اقتضى الأمر.

وما بقي بعدهما اختيارٌ بين بدائل جائزة؛ وهو وحده موضع القرار، وفيه يصحّ التصويت إن كان الاختصاص جماعيًا.

وفي المحضر: تُثبت الواقعة وسندها، ويُسجَّل التقدير ومسوّغاته والخلاف إن وقع، ثم يُصوَّت على القرار وحده.

سؤال واحد قبل أن تجعل الحسم جماعيًا

هل نحتاج آراءهم، أم نحتاج أن يقرروا؟

إن كنا نحتاج آراءهم، فالمطلوب اجتماع استشاري أو محضر يُرفع إلى صاحب الصلاحية، ويبقى القرار باسمه. وإن كنا نحتاج أن يقرروا، فاللجنة في موضعها، ويلزمها اختصاص معلوم، ومخرج معلوم، وطريقة حسم تُسجَّل فيها الآراء المخالفة، وأجل تنتهي عنده إن كانت مؤقتة.

وليس المقصود الاستغناء عن اللجان

بعض القرارات لا تصح إلا جماعية، وبعض المسائل لا يستقيم فيها الانفراد. المقصود موضع واحد: أن نحتاج إلى معرفة جماعة، فنلبسها صفة لم تُمنح لها، ثم نعجب أن القرار خرج بلا صاحب.

الاستشارة تُقوّي القرار، ولا تنقله.

والذي ينقل الحسم اختصاص مُنح على وجه معتبر، لا اجتماع عُقد ولا تصويت جرى.

وأكثر ما تخسره المنظمة بلجنة لم تكن لازمة ليس وقتها؛ بل معرفتها بمن تسأل.