خُذ منشأةً لا ينقصها شيء.
لها مجلسٌ يجتمع، ولجانٌ تتفرّع عنه، وسياساتٌ معتمدة، ومصفوفةُ صلاحياتٍ موزّعة، وإدارةُ مخاطر، ووحدةُ التزام، ومراجعةٌ داخلية. تفتح ملفاتها فتجدها تامّة، وتقرأ تقاريرها فتجدها منتظمة، ولا يقع نظرك على بندٍ ناقص.
ثم تنظر في قرارٍ واحدٍ من قراراتها، فتجد مالكه غير معروف، ومعلومته متأخرةً عن أوانها، ومسؤوليته موزعةً حتى لا تستقر على أحد، وأثره يمضي فلا يعود إلى من يملك تصحيحه.
كل الأشياء موجودة. فأين غابت الحوكمة؟
لم تغب في عنصر ناقص. غابت في المسافة بين العناصر.
وقد تكتمل الأجزاء كلها ولا يتكوّن الكل؛ لأن الحوكمة ليست عنصراً داخل المنظومة، بل صفة تنشأ من انتظامها. فقد تصح كل وظيفة داخل حدها، وتبقى المنشأة ضعيفة الحوكمة إذا اختل الانتقال بينها. فقد تكتمل الأجزاء، ولا يتكوّن الكل.
فالحوكمة ليست شيئاً يضاف إلى ما سبق، يُعدّ في جملته فيقال: عندنا مجلس ولجان وسياسات وحوكمة. إنما هي انتظام العلاقة بين ما وُجد: أن يقع كل عنصر في موضعه، وأن يتصل بما ينبغي أن يتصل به، وأن يبقى الاتصال قائماً حين يتحرك العمل.
والخطر في هذا الغياب أنه لا يظهر لفحص يكتفي بعدّ البنود؛ فالبنود تُعدّ، والمسافات لا تُعدّ بل تُختبر. حتى إذا جرى قرار فاختل، طُلبت المساءلة فلم يوجد مالك يُسأل — لا لأن أحداً أخفاه، بل لأن الرابط الذي يصل القرار بمالكه لم يكن قائماً أصلاً. وحينئذ تُدفع كلفة ما لم يُفحص، بعد فوات وقت الفحص.
ولقد بدأت هذه القراءات من سؤال يطلب حدّاً: ما الحوكمة؟ ثم مضت تفرز طبقاتها وأدوارها ولجانها ووثائقها وتخومها، حتى تبيّن أن الجواب ليس تعريفاً يُحفظ، بل عين تنظر — وأن السؤال انقلب في الطريق من: ما الحوكمة؟ إلى: أين هي؟
وهذه العين تسأل عن كل عنصر — لجنةً كان أو سياسةً أو صلاحيةً أو وظيفةً — ثلاثة أسئلة: ما حدّه؟ وما موضعه؟ وما صدقه؟
فأما سؤال الحد: أمِن الحوكمة هذا، أم من جيرانها؟
فالإدارة تجري العمل وقد تشارك في صنع القرار، والالتزام يحرس حدود المتطلب، والمراجعة تقدم تأكيداً مستقلاً على كفاية الضوابط. وهذه وظائف تتقاطع مع الحوكمة وتخدمها، ولا تختصرها؛ ولكل واحدة حدها وعلاقتها بالقرار. ومن حسب إحداها الحوكمة كلها، أدخل بيت الجار في بيته، فظن الدار أوسع مما هي، وهي قد ضاعت حدودها. وكذلك تتبدل صور الحوكمة بين القطاعات ونواتها واحدة؛ فمن نقل الصورة وظنها الأصل، حمل قالباً لا حوكمة.
وأما سؤال الموضع: في أي مرتبة يقع، وبم ينبغي أن يتصل؟
ثمّة قيمة تؤسس، ومبدأ يوجه، ووظيفة تسند، وأداة تخدم، ونتيجة تقيس الأثر. خمس مراتب لا يقوم بعضها مقام بعض. وأكثر الخلل أن تُرفع الأداة إلى مقام المبدأ: فتُحسب سياسة الإفصاح شفافية، وميثاق الأخلاق نزاهة، ولجنة المخاطر إدارة للمخاطر — والأداة في هذا كله قائمة، لكنها لا تنتج المبدأ بوجودها؛ إنما تخدمه إن شُغّلت، وتبقى حبراً إن لم تُشغّل.
ثم إن العنصر قد يصح موضعه ويُقطع رابطه، فيبطل أثره وهو قائم في مكانه. فالصلاحية توصل بالمسؤولية؛ ومن مُنح سلطة بلا تبعة ملك أن يقرر ولا يُسأل. والمسؤولية توصل بالمعلومة؛ ومن حُمّل تبعة قرار لم يملك معلومته، حوسب على ما لا يضبط. وملكية القرار توصل بالمساءلة؛ فما لا يُعرف مالكه لا تستقيم مساءلته. والأثر يوصل بمن يملك تصحيحه؛ فأثر لا يرجع إلى موضع التصحيح أثر ضائع.
وثمّة رابط يسبق هذه كلها: أن يبقى القرار موصولاً بالغرض الذي مُنحت السلطة لأجله. وأخطر ما يعتري هذا الرابط ليس أن ينقطع، بل أن ينحرف: فتحل مصلحة خاصة محل المصلحة التي وُجد القرار لخدمتها، فيظل المسار صحيحاً في ظاهره، مصروفاً عن غايته في حقيقته. والمقطوع يظهر فراغه؛ أما المنحرف فيعمل بثقة وهو ماضٍ إلى غير غايته.
وأما سؤال الصدق: ماذا يثبت من العنصر حين يعمل؟
فقد تكتمل الخريطة ويصح فيها موضع كل عنصر، ثم تنقطع الروابط عند أول حركة: يُتخذ القرار قبل أن تصل المعلومة، أو يُنفذ على غير ما اعتُمد، أو يمضي أثره فلا يرجع. تبدو الخريطة صحيحة وهي ساكنة، ويفضح الجريان ما لا يفضحه السكون. فالوثيقة لا تثبت الحوكمة؛ إنما يثبتها بقاء المواضع والروابط حين يجري العمل. وما لم يظهر أثره عند القرار بقي دعوى؛ وما ظهر، انكشف صدقه من زيفه.
ولا يكفي أن يكون الرابط صحيحاً؛ بل أن يعمل في وقته. فالمعلومة التي تصل بعد القرار لا تحكمه، والاعتراض الذي يظهر بعد الاعتماد لا يقيه، والأثر الذي يعود بعد فوات التصحيح لا يغلق مساره. والرابط الصحيح في الوقت الخطأ رابط مكسور في أثره.
ويقع هذا الاختبار بأوضح صوره عند القرار؛ فعنده تلتقي السلطة التي تملكه، والمعلومة التي بُني عليها، والمسؤولية التي تُحمل عنه، والأثر الذي يعود إلى صاحبه.
ولهذا لا تُقاس المنشأة بأقوى أجزائها. فقد تتقن الإفصاح، وتضبط الرقابة، وتتقدم في الاستدامة، ثم يبقى وراء هذه العدسات قرار يجري بلا مالك معلوم ولا معلومة كافية ولا أثر يعود. والحوكمة باتصال المنظومة، لا بتفوق عدسة فيها. فمن هنا تمتلئ المنشأة بأدواتها وتخلو من حوكمتها: عدّت الأشياء، ولم تفحص المسافات بينها.
وليس الانتظام غاية تُطلب لذاتها. إنما غايته أن يصير استعمال السلطة قابلاً للتفسير والمساءلة والتصحيح، فيكون القرار أقرب إلى العدل، وإلى المصلحة التي مُنحت السلطة لأجلها. ومنشأة تنتظم أدواتها ثم تصدر عنها قرارات لا تُفسر ولا تُساءل ولا تُصحح — بلغت الشكل وأخطأت المقصد.
فالحوكمة لا تعد المنشأة ألا تخطئ؛ إنما تمنع أن يضيع الخطأ بلا مالك، أو يبقى بلا تفسير، أو ينغلق دون طريق إلى التصحيح.
وهذه العين التي تسأل الأسئلة الثلاثة لا يمنحها مسمى ولا شهادة؛ إنما تُبنى فرزاً بعد فرز، وحدّاً بعد حد. ومن حملها لم يعد يملك أن يغمضها: يرى المسافة حيث يرى غيره الامتلاء.
فإن شئت أن تختبرها، فخذ عنصراً واحداً مما حولك — لجنةً، أو سياسةً، أو صلاحيةً — وسله:
المحك — سل العنصر قبل أن تحكم عليه
١. ما حدّه: أمِن الحوكمة هو، أم من جيرانها؟
٢. ما موضعه: في أي مرتبة يقع، وبم يتصل؟
٣. ما صدقه: ماذا يثبت منه حين يعمل؟
فإن لم يستقر جواب، فليست الحاجة عنصراً جديداً يضاف؛ بل أن يُرى الموجود بعين الحوكمة.
وهكذا تنتهي هذه القراءات إلى ما كانت تطلبه من أولها. بدأ السؤال: ما الحوكمة؟ واستقر الجواب عيناً تعرف الحد، وتضبط الموضع، وتختبر الصدق. ويبقى لها ما تنظر إليه كلما تحركت المنشأة: هل بقي كل شيء في موضعه، موصولاً بما يجب، حين جرى القرار؟
الحوكمة ليست فيما تملكه المنشأة من عناصر؛ بل في أن تضبط حدودها، وتضعها في مواضعها، وتصل بعضها ببعض، ويصدق أثرها حين يتحرك القرار.