«الشهادة تعطي لغة الحقل، لكنها لا تعطي عين الحوكمة.»
تكرّر سؤالٌ على من يكتب في الحوكمة، ويأتيه من مواقع مختلفة: من باحثٍ يحاول أن يقنّن طريق دخوله، ومن ممارسٍ بلغ مرحلةً فاحتار من أين يستزيد، ومن قائدٍ مؤسسيٍّ يبحث عمّن يحمل الحوكمة في مؤسسته. السؤال نفسه: كيف نتعلّمها؟ ومن أين نبدأ؟ أنبدأ من الشهادات؟ من اللوائح؟ من المعايير الدولية؟ من قراءة الأنظمة؟ أم من الممارسة المباشرة؟
ويزداد السؤال إلحاحاً حين ينظر السائل في حقلٍ صار له لوائح ومعايير وممارسون ومسمّيات كثيرة، ومع ذلك يجد نفسه أمام فجوةٍ ليست في الوثائق، بل في طريقة الدخول إلى الحقل ذاته.
وهذه القراءة لا تقدّم دليلاً تدريبياً، ولا تحوّل الحوكمة إلى مسارٍ مدرسيٍّ ثابت؛ بل تحاول أن تحرّر سؤالاً أسبق: ما الذي نتعلّمه أصلاً حين نريد أن نتعلّم الحوكمة؟ ومن الذي يحملها بعد أن يتعلّمها؟ ففهم ما يُحمل سابقٌ على فهم كيف يُحمل.
أولاً: تصحيح الوهم — الشهادة والمسمّى
أول ما يعرض لطالب الحوكمة وهمان مشهوران:
أحدهما: أن الشهادة المتخصصة هي البوابة. ومتى أحرزها أحرز الحوكمة، أو كاد. والشهادة نافعة، لا ينكر فضلها من جرّب طريق التعلّم؛ فهي تعطي القارئ لغة الحقل، وتفتح له أبواب القراءة المنظّمة، وتضع تحت يده قسماً غير قليل من المصطلحات والمعايير. لكنها لا تعطي شيئاً واحداً، وهو الأهم: عين الحوكمة. أعني تلك الملكة التي ترى الأشياء في مواضعها، وتميّز الأصل من الصورة، والقيمة من الأداة، والموقع من الاسم. وهذه الملكة لا تُمنح في قاعة، ولا تُختم في وثيقة، وإنما تنبت في صاحبها على مهل، حين يجمع المعرفة بالممارسة، والممارسة بالقراءة، والقراءة بالمراجعة.
والوهم الثاني: أن المسمّى الوظيفي كافٍ. فمن سُمّي «مسؤول حوكمة»، أو «مدير الحوكمة»، أو «أمين سرّ مجلس»، أو «مسؤول التزام»، صار حامل حوكمة. وهذا أشدّ من الأول التباساً؛ لأن المسمّى يعطي موقعاً في الهيكل، لا بصيرةً في الحقل. والمواقع تصلح أن تكون موضع تكوّنٍ لمن تكوّن قبلها، أو موضع مهمّةٍ لمن أدّاها بأدواتها. أما الحمل الحوكمي بمعناه الأعمق، فلا ينشأ من المسمّى، ولا يختفي بزواله.
وتجدر هنا إشارة خفيفة: فالبرامج الأكاديمية والمهنية في الحوكمة نافعة في بابها، غير أنها تدخل إلى الحقل في الغالب من زاوية البيئة التي نشأت فيها؛ فمنها ما يغلب عليه النفس المالي والمحاسبي، ومنها ما يدخل من باب القانون والالتزام، ومنها ما ينزع نحو التدقيق والرقابة، ومنها ما يقترب من الاستدامة وأصحاب المصلحة. وهذه زوايا نافعة كلها، لكنها في الغالب تعلّم تطبيق الحوكمة من مدخل مخصوص، لا تصميم الإطار الحوكمي من أصله. فلا تؤخذ زاوية منها لتحلّ محل الحقل، ولا يغني مدخل واحد عن صنعةٍ يلتقي فيها أكثر من باب.
ومن هاتين الملاحظتين تنبع العبارة التي تجمع المقال: الشهادة تعطي لغة الحقل، لكنها لا تعطي عين الحوكمة.
ثانيًا: التفريق الأول — تصميم الحوكمة وتطبيقها
قبل الدخول إلى مفهوم الحامل ومنهج تكوّنه، لا بد من تفريقٍ يسبق كل شيء، تتوقف عليه أكثر الأخطاء التي يقع فيها طالب الحوكمة وحاملها:
تطبيق الحوكمة هو العمل داخل إطار قائم: الالتزام بما صُمّم، وتشغيل أدواته، ومتابعة تنفيذه، وتصحيح انحرافه عند وقوعه. وهذا عمل نبيل في موضعه، تستقيم به المؤسسة، ولا يستقيم بدونه نموذج مهما حسن تصميمه.
أما تصميم الحوكمة فهو بناء الإطار نفسه: توزيع السلطة، وضبط مسار القرار، وتحديد مواضع الحسم والمساءلة، وصياغة الأدوات التي تخدم ذلك. وهو عمل آخر، مدخله آخر، وأدواته أخرى.
وبين الاثنين فرق جوهر لا فرق مرتبة وحدها. التطبيق يسأل: كيف ألتزم؟ والتصميم يسأل: ما الذي ينبغي أن يُلتزم به أصلاً؟ ولكل من السؤالين أهله وأدواته. ومن لم يفرّق بينهما، ظل يعالج مشكلات التصميم بأدوات الالتزام، أو يعالج ضعف الالتزام بإعادة تصميم لا حاجة إليها. وهذا ما يفسّر كثيراً من الجهد الضائع في المؤسسات: مجالس تعتقد أنها تعالج خللاً في الالتزام وهي في الحقيقة أمام خلل في التصميم، وفرق تعتقد أنها تعيد التصميم وهي في الحقيقة لم تتجاوز تعديل أدوات تطبيق قديم.
وهذا التفريق ليس معلومةً من معلومات الحامل، يؤجّل ذكرها إلى وسط الطريق، بل بوابة الدخول إلى الحقل. من لم يفرّق بين التصميم والتطبيق في أول الأمر، دخل الحوكمة من الباب الخطأ، فتحوّل عنده تطبيقها إلى تصميم موهوم، أو ظل تصميمها مجرد نقل لتطبيق سابق.
وبين هذين الموضعين تظهر منزلة الحامل: فهو لا يكتفي بتشغيل الإطار كما يفعل المطبّق، ولا يلزم أن يكون مصمماً لكل إطار، لكنه يفهم منطق التصميم وهو يمارس التطبيق، فيعرف متى يلتزم، ومتى يسأل، ومتى يرفع الخلل من موضع التطبيق إلى موضع التصميم. وهذه القدرة هي ما يميّز الحامل من سواه ممن يشاركونه الموقع، ويفترقون عنه في الرؤية.
ثالثًا: ما حامل الحوكمة؟
بعد هذا التفريق يصير السؤال أوضح: من الذي يحمل الحوكمة؟ ليس كل من طبّقها، ولا كل من صمّمها، ولا كل من يحمل اسمها على بطاقته الوظيفية. الحامل منزلة بين ثلاث:
ليس موظفاً يملأ نموذجاً وينتظر التوجيه؛ فالحوكمة لا تعمل بنموذج. وليس فيلسوفاً يتأمل في الحكم والسلطة من بعيد؛ فالحوكمة لا تكفيها التأملات. وليس تقنياً يملك أداةً ولا يعرف غايتها؛ فالحوكمة لا تُختزل في أداة.
الحامل هو من أنزل المفهوم إلى الموقع، وردّ الأداة إلى مقصدها، ووزن القرار بقواعد الحوكمة قبل أن يزن قواعدها بملابسات القرار. هو من يمكنه — في مواضع تجاوزت تدريبه الأول — أن يجيب عن سؤالين معاً: أين أنا في هذه الصورة؟ وما الذي ينبغي أن يكون؟
وإذا تأملت من تحدّثهم في الحوكمة وجدت أن الفرق بينهم لا ينشأ في الأكثر من الفرق في عدد الشهادات، بل في عدد المواضع التي اختبر فيها كل منهم نفسه. من مرّ على لوائح ومذكرات وتوصيات وحالات متنوعة، ثم وقف على كل موقف منها بالقراءة قبل التسليم، هو حامل في الطريق. ومن جمع شهادات وحفظ مصطلحات، ولم يختبر موقفاً واحداً اختبار بصيرة، فهو في رأسه لغة الحقل لا عينها.
رابعًا: الأركان الأربعة بإيجاز
لا يحمل الحوكمة إلا من اجتمعت له أربعة أركان متساندة، لا يقوم بعضها مقام بعض، ولا يغني واحد منها عن الباقي. وأجمع ما يقال فيها:
أولاً: معرفة مركّبة. لا معرفة باب واحد، بل تلاقح أبواب تلتقي في حقل الحوكمة وتتجاور.
ثانيًا: قدرة تمييزية. لا حفظ المصطلحات، بل القدرة على ردّ كل شيء إلى موضعه: الأداة إلى وظيفتها، والصورة إلى أصلها، والقرار إلى طبقته.
ثالثًا: انضباط منهجي. لا اكتفاء بالحدس، بل التزام بمنهج في القراءة والكتابة والمراجعة، يحفظ صاحبه من الانجراف خلف الانطباع.
رابعًا: أمانة مهنية. وهي التي تجنّد المعرفة والقدرة والانضباط لخدمة الحوكمة نفسها، لا لخدمة منافع تلتبس بها. والحوكمة تُختبر غالباً في موضع الكلفة لا في موضع السهولة، ولا يحفظها في تلك المواضع إلا الأمانة.
وفيما يلي تفصيل هذه الأركان بمدخلها وعلامتها، لا بحدّها وحده.
ثم نقف بعدها على ما يحمل هذه الأركان في صاحبها، من سمات شخصية تجعل التكوّن ممكناً.
خامسًا: المعرفة المركّبة — أربعة أبواب
بعد أن تبيّن التفريق الأول بين التصميم والتطبيق، تأتي المعرفة المركبة في أربعة أبواب متداخلة، لا يقوم الحامل على ثلاثة منها ويترك الرابع:
الباب الأول: الأصول الجامعة. وأعني بها تلك الأصول التي تؤسس الحوكمة في كل بيئة مهما اختلفت الصور: تكوين السلطة، وضبط مسار القرار، وتوزيع المسؤولية، والمساءلة، والشفافية، والاستقلال، وتكافؤ الحقوق. أصول يجمعها قاسم حوكمي مشترك، تكشفه التجارب المؤسسية حين تجرّد من صورها القطاعية المختلفة. ومن لم يتمكّن منها لم يستطع أن يقرأ صورةً قطاعية قراءةً محرّرة، بل يظل مشدوداً إلى الصورة عن الأصل.
الباب الثاني: الأدوات والصور. اللوائح والسياسات والإجراءات والمجالس واللجان ومصفوفات الصلاحيات ومؤشرات الأداء ووثائق الإفصاح وعقود التكليف. هذه أدوات وصور، يعرفها المتدرّب من سنته الأولى، ويحفظ أسماءها. لكن الحامل لا يعرفها لأسمائها، بل يعرف موضع كل أداة من الأصل الذي تخدمه: لماذا وُجدت؟ ما الفجوة التي تسدّها في البناء الحوكمي؟ ومتى تصبح عبئاً حين تُستعمل في غير موضعها؟
الباب الثالث: المحيط التشريعي والقطاعي. لا تعمل الحوكمة في فراغ. للممارس محيط تشريعي يلزمه قدر من المعرفة به: نظام الشركات، ولوائح الجهة المنظمة لقطاعه، ومنظومة الالتزام المحلية والدولية. ولكل قطاع خصائص تفرض على الحوكمة لوناً: الجهة الحكومية تختلف عن الشركة المساهمة، والشركة العائلية تختلف عن المؤسسة غير الربحية، والجامعة تختلف عن المستشفى. والحامل يعرف من ذلك ما يكفي ليردّ القرار إلى سياقه، ويميّز الالتزام الواجب من الالتزام التفسيري.
الباب الرابع: العلوم والأدوات المساندة. وهذا باب يغفل عنه كثير من طلاب الحوكمة، فينشؤون على فهم تجريدي معزول عن الحقول التي تحفّ بالقرار المؤسسي. وأجمع ما يدخل فيه ستة ميادين:
أولها: المال والمحاسبة وقراءة التقارير. لا ليكون الحامل مالياً، بل ليقرأ قراراً استثمارياً، أو ميزانية، أو صفقةً مع طرف ذي علاقة، أو تعارض مصالح مالياً، فهمَ من يعرف منطق الأثر المالي. ومن لم يستطع أن يقرأ القائمة المالية قراءة محلل مبتدئ، انقطع عن طبقة كاملة من القرار.
ثانيها: القانون والصياغة التشريعية وحدود الصلاحيات. وهذا أدق من معرفة المحيط التشريعي نفسه؛ فالحامل يلزمه أن يفهم منطق الصياغة التشريعية، ومتى تكون العبارة ملزمة ومتى تكون تفسيرية، وكيف تُكتب صلاحية بحيث توزّع لا تحتكر، وتحدّد لا تُترك سائبة. لأن كثيراً من خلل الحوكمة لا ينشأ من خلل في الفهم، بل من قصور في الصياغة: عبارة تُترك مبهمة فتفتح باباً للاجتهاد الفردي، أو حدّ يُذكر بصيغ التمنّي لا بصيغ الإلزام.
ثالثها: إدارة المخاطر والتخطيط الاستراتيجي وإدارة المشاريع والتشغيل. لأن كثيراً من قرارات الحوكمة تمرّ في صورة خطر، أو خطة، أو مشروع، أو عملية تشغيلية. والحامل لا يلزمه أن يكون مدير مخاطر ولا مدير استراتيجية ولا مدير مشاريع، لكنه يلزمه أن يعرف بدايات كل حقل منها ولغته الأولية، ليستطيع أن يزن ما يرد عليه منها في موضع القرار.
رابعها: التقنية والبيانات وأمنها. وهذا ميدان تدخل فيه الحوكمة اليوم دخولاً متسارعاً: قرارات صلاحيات رقمية، وحوكمة البيانات، والأمن السيبراني، والخصوصية، وحوكمة الذكاء الاصطناعي. ومن لم يلتفت إليها قد يجد نفسه بعد قليل في حقل تغيّر عليه وهو لا يعرف ما يجري فيه. والمقصود قدر يكفي للسؤال والاستيعاب، لا الخبرة الكاملة.
خامسها: وظائف الجوار الرقابي: الالتزام، والرقابة، والمراجعة الداخلية. وهذا الميدان على دقته يلزم الحامل أن يستوعبه استيعاب من يعرف الفروق لا استيعاب من يتخصص فيها. فالالتزام يتابع التقيّد بالمتطلبات النظامية والسياسات المعتمدة، يسبق الفعل ويسانده. والمراجعة الداخلية تقوّم وتؤكد باستقلال على كفاءة الضوابط وفاعلية إدارة المخاطر والحوكمة، تفحص بعد الفعل. والرقابة تضبط وتتابع بحسب موقعها في البناء. وهذه الوظائف لا تنوب عن الحوكمة، لكنها تمدّها بالمعطيات التي تعينها على قراءة الخلل وتصحيح موضع القرار.
سادسها: إدارة اللجان والورش وأدوات استخراج المعلومة. وهذا في ذاته فن لا يُتقن بالقراءة وحدها. الحامل يجلس مع إدارات مختصة، ومع أصحاب شأن متفرقين، ومع لجان مختلفة الأهواء، وعمله الأولي كثيراً ما يكون استخراج المعلومة من أهلها، لا إنتاجها بنفسه. ولذلك يلزمه أن يعرف كيف يدير اجتماعاً حتى لا ينحرف، وكيف يطرح سؤالاً حتى يستجلب الجواب الحقيقي، وكيف يحرّر ملاحظةً حتى تستوي في حكمها.
والقاعدة الحاكمة لهذا الباب كله: لا يُطلب من حامل الحوكمة أن يكون خبيراً في هذه الحقول، بل أن يعرف من كل حقل القدر الذي يمكّنه من أن يكتشف، ويسأل السؤال الصحيح، ويستخرج الجواب الصحيح، ويردّ أثره إلى موضعه الحوكمي. هذا حد أدنى، لا حد أعلى.
ومع ذلك، فالحامل لا يُطلب منه أن يحمل هذه العلوم وحده؛ فالحمل الفردي في حقل بهذا الاتساع وهم يستهلك صاحبه. والمعرفة المركبة تكتمل بالحامل فهماً، وبالفريق تخصصاً. والفريق على طريقين متكاملين، لا ينوب أحدهما عن الآخر:
الطريق الأول: الفريق الحوكمي الملازم. وهو فريق بناؤه حوكمي ابتداءً، يضم مختصين في حقول مساندة مخصوصة: مختص مخاطر، مختص التزام، مختص صياغة تشريعية، مختص تحليل مالي. يعملون مع الحامل في الحوكمة نفسها، ويساندونه في قضاياها.
الطريق الثاني: استثمار مختصي إدارات المنشأة، أو مستشار من خارجها يُستعان به في تخصصه. وهو طريق كثيراً ما يُغفل، مع أنه أنفع في كثير من المواضع. والحامل يستفيد من هؤلاء بطريقين متمايزين: يسأل المختص عن إدارته وما تواجهه — وهنا يُسأل بحكم موقعه الإداري — ويسأله أيضاً في قضية خارج إدارته عن منطق تخصصه، بحكم تخصصه لا بحكم موقعه. فالمالي يُقرأ به الأثر المالي في قرار لا يخص إدارته، ومختص المخاطر يُقرأ به الاحتمال والأثر في قضية في غير إدارته، ومختص التقنية يُقرأ به أثر القرار في البيانات والصلاحيات والأنظمة، ومختص الموارد يُقرأ به أثر القرار في الإنسان والتنظيم. والفرق بين السؤالين دقيق، لكنه يضاعف الإفادة من كل مختص في المنشأة. ومن لم يفهم هذا الفرق، حصر إفادة المختص في إدارته، وحرم نفسه من تخصصه.
والأصل أن يكون عمق الحامل في الحوكمة نفسها؛ في أصولها، وأدواتها، ووظائفها، ومسارات قرارها. أما الحقول المساندة فيأخذ منها ما يفتح له السؤال، ويمكنه من فهم الجواب، ويعينه على استدعاء الاختصاص في موضعه. وكلما اتسعت معرفته بها كان أنفع، ما دامت لا تزاحم أصل صنعته ولا تخرجه عن مركزها.
وبهذا تكون المعرفة المركبة في موضع الحامل شاملةً في نظرها، متكاملةً في تركيبها. لا تعتمد على شخص موسوعي ينهك نفسه في تحصيل ما لا يحصل، ولا تكتفي بحامل سطحي يترك كل تفصيل لأهله؛ بل تجمع تعمق الحامل ما استطاع، وفريقاً ملازماً يدعمه، واستثماراً واعياً لأهل التخصص في المنشأة كلها.
فالحوكمة الراشدة لا تقوم على عقل منفرد يعرف كل شيء، بل على عقل حوكمي يعرف كيف يجمع معرفة الآخرين في موضع القرار.
سادسًا: القدرة التمييزية
والمعرفة مهما اتسعت لا تكفي وحدها؛ فقد يكون الحامل واسع القراءة، حافظاً للغة الحقل، ثم تلتبس عليه المواضع في اللحظات الحاسمة. ومن هنا يجيء الركن الثاني: القدرة على التمييز.
والتمييز في الحوكمة دقيق، يلزم الحامل أن يميّز:
بين القيمة والمبدأ والوظيفة والأداة والنتيجة، فلا يخلط طبقات الكلام؛ فيحوّل قيمةً إلى أداة، أو نتيجةً إلى مبدأ.
وبين الأصل والصورة، فلا ينتقل من تجربة قطاعية ناجحة إلى تعميمها قبل أن يفصلها عن خصوصيتها.
وبين الوثيقة والإطار، فلا يظن أن ما تحرره اللائحة هو الإطار الحوكمي كاملاً. فالإطار يتشكل من المكتوب، ومن الممارسة الفعلية، ومن ثقافة المنشأة التي تحكم القرار في طياتها: ما يُكافأ، وما يُسكت عنه، وما يجري في الواقع، وما يظل في الورق. وحامل الحوكمة يقرأ هذه الأبعاد الثلاثة معاً، ولا يكتفي بأولاها.
وبين النص ومقصده، فلا يحوّل التعلق بظاهر النص إلى ذريعة تفرغ مقصده من معناه.
وبين خلل التصميم وخلل التطبيق، فلا يعالج أحدهما بدواء الآخر.
وبين الثابت والمتغير، فلا يجمد على متغير بحجة أنه ثابت، ولا يتساهل في ثابت بحجة أنه متغير. فالحوكمة تعمل بين أصول ثابتة وصور متغيرة، وفهم هذا الفرق هو ما يحفظ الحامل من الجمود ومن الذوبان معاً.
وبين الرأي المهني واعتبارات النفوذ والمجاملة داخل المؤسسة، فلا يجعل الحوكمة غطاءً لما ليس منها، ولا يتنازل عن مقتضاها لمجاراة الميل الغالب فيها. وهذا التمييز في الواقع المؤسسي من أدقها وأحوجها إلى نفس طويل.
وبين الحوكمة ووظائف جوارها الرقابي، فلا يذيب الحوكمة في الالتزام، ولا في المراجعة الداخلية، ولا في الرقابة، ولا يفصلها عنها. الحامل الراشد لا يخلط الحوكمة بوظائف الجوار، ولا يفصلها عنها؛ يعرف حدود كل وظيفة، ويعرف كيف يستفيد منها دون أن يذيب الحوكمة فيها.
ومن خلط هذه الوظائف عالج خلل الحوكمة بأداة التزام، أو جعل المراجعة الداخلية بديلاً عن التصميم، أو حوّل الرقابة إلى اسم جامع يبتلع الفروق.
والقدرة التمييزية لا تنبت من القراءة وحدها، بل من ممارسة متأنية: من حضور مجالس يحضرها الحامل ساكتاً قبل أن يتكلم، ومن ورش يطرح فيها أدوات صغيرة يختبر بها ذهنه قبل أن يختبر بها غيره، ومن إصغاء يتدرّب فيه على سماع ما لا يقال، لا ما يقال وحده.
ولا تكتمل هذه القدرة بالفهم وحده، بل تحتاج أدوات منهجية تخرج المعلومة من موضعها: حسن السؤال، والإصغاء، وإدارة الورش، وتحرير الملاحظات، وقراءة إجابات أصحاب الشأن، والتمييز بين المعلومة الفنية وأثرها الحوكمي. فحامل الحوكمة لا يعرف تفاصيل كل إدارة، لكنه يعرف كيف يسألها، وكيف يختبر جوابها، وكيف يردّ ما تقوله إلى مسار القرار والصلاحية والمساءلة.
ومن دقيق هذه القدرة: التمييز بين سؤال المختص بحكم إدارته، وسؤاله بحكم تخصصه. فمن سأل مدير المخاطر عن مخاطر إدارته وجد جوابه في حدود إدارته، ومن سأله عن مخاطر قضية في إدارة أخرى وجد جوابه في حدود تخصصه لا موقعه. وحامل الحوكمة يعرف متى يسأل بأي السؤالين، فيستفيد من كل مختص في المنشأة بأوسع مما يستفيد منه الآخرون.
ولها علامة ظاهرة: الحامل الذي يملك التمييز يفتح القضية بسؤال يحرر النقاش، لا يغلقها بحكم ينهيه قبل أن يستوي.
سابعًا: الانضباط والأمانة
ثم لا يكفي الحامل أن يعرف ويميّز، بل يلزمه ما يحفظه من الانجراف خلف الانطباع، ومن الميل في موضع الكلفة. وهنا يلتقي الركنان الثالث والرابع، في وجهين لمعنى واحد: ضبط الذات عند القرار.
الانضباط المنهجي هو أن يلتزم الحامل بمنهج في القراءة والكتابة والمراجعة، لا بحدس عابر ولا بخاطر يلوح. أن يقرأ النص قبل أن يعلّق، ويفحص الفرضية قبل أن يبني عليها، ويسجل ما توصل إليه ليراجعه بعدُ بعين نقدية. وأن يعرف موضع الجهل، فيتوقف ولا يدفع رأيه إلى ما لم يحرر بعد.
والأمانة المهنية هي أن يحمل الحوكمة على ما هي، لا على ما تطلبه اللحظة، ولا على ما يرضي من طلب رأيه. هي الحد الذي يفصل بين خبير يقول الحق، وخبير يقول ما ينفع. وهي التي تجعل الحامل يكتب في تقريره ما لا يود من وكله أن يقرأ، ويسكت عما لا تأذن به البيانات.
والأمانة تُختبر في موضع أدق من تقرير ما يعلمه الحامل: في توزيع ولائه. فالحامل بين من استأجره ودفع له، وبين من صممت الحوكمة لحمايته من المساهمين الأصغر والمستفيدين والأطراف المؤتمنة. وكثير من خلل الحوكمة في المؤسسات ينشأ من حامل خدم من استأجره على حساب من صممت الحوكمة لحمايته. والأمين يعرف أن ولاءه الأول ليس لمن وكله، بل للحوكمة نفسها بوصفها نظاماً يحمي من لا يملك صوتاً في غرفة القرار.
وفي موضع بين الانضباط والأمانة تجيء الشجاعة الحوكمية: شجاعة الاعتراض في المجلس، وشجاعة توثيق الرأي المخالف، وشجاعة كتابة ما لا يود المكلف أن يقرأ، وشجاعة الانسحاب من قضية لا تستقيم. ليست الشجاعة ركناً مستقلاً، لكنها القدرة على إنفاذ الأمانة حين تأتي اللحظة التي يختبرها الواقع.
وقد جرت العادة أن الأمانة تُختبر في موضع واحد ضيق، لكنها تفيض على سائر الأركان فتحفظها أو تفسدها كلها. ومن فقدها فقد معها ما اكتسبه من معرفة وتمييز وانضباط، فصار حملاً على الحوكمة، لا حاملاً لها.
ثامنًا: الملكة الشخصية التي تحمل هذه الأركان
والأركان الأربعة لا تنبت في فراغ. لها تربة نفسية تنمو فيها، وسمات شخصية تجعل تكوّنها ممكناً. وقد يجتمع لرجلين قدر متقارب من المعرفة، ثم يفترقان في الحمل لافتراقهما في هذه السمات. وأهمها سبع:
عقل تحليلي، يرد الجزئيات إلى أصولها، ويقرأ القرار في طبقاته، ولا يكتفي بظاهر الأمر.
نظر متأنٍ، لا يستعجل الحكم، ويصبر على الفحص حتى تكتمل الصورة قبل أن ينطق.
بديهة تلتقط مواضع الخلل، فتستشعرها قبل أن تستوي في كلام. وهذه السمة لا تُكتسب بالقراءة وحدها، بل تنشأ من حضور مواقف كثيرة يُختبر فيها الذهن.
مرونة تفرّق بين الثابت والمتغير، فلا تتعامل مع الحوكمة بعقل جامد. ومن لم يملك مرونة النظر، عالج المتغيرات بعقل جامد، ومن لم يملك ثبات الأصل، ذاب في كل سياق.
قدرة على المواءمة، يستطيع بها الحامل أن يجمع بين المقصد العام والسياق الخاص، فيحفظ الأصل ويلتقي بالواقع.
دقة في الصياغة، تجعل الفهم قابلاً لأن يتحول إلى سياسة أو ميثاق أو لائحة صلاحيات أو محضر أو توصية. ومن فهم ولم يحسن الصياغة، بقي فهمه معلقاً لا ينزل إلى موضعه.
حياد ذهني، يزن المسألة من أطرافها قبل أن ينتصر لأحدها. وهذا غير الاستقلال الوظيفي؛ فالاستقلال موقع، والحياد ملكة. وقد يكون الرجل مستقلاً في موقعه ومنحازاً في ذهنه، ولا تغني عنه استقلالية الموقع شيئاً.
وفوق ذلك كله: الحوكمة لا يحملها عقل جامد؛ لأنها تعمل بين أصول ثابتة وصور متغيرة.
تاسعًا: محطات التكوّن
ولكل تكوّن محطات لا تلزم بترتيب صارم كأنه مسار مدرسي، لكنها تجتمع لمن قطعها كلها قبل أن يستحق اسم الحامل بمعناه الكامل:
المحطة الأولى: الأصول واستنطاق الأطر. يبدأ الطالب بقراءة متأنية في أصول الحوكمة، لا بتلخيصات سريعة موجزة. ويقرأ المعايير الدولية شواهد على الأصول، لا قوالب تنقل وتطبق. ولا يستعجل النزول إلى الصور قبل أن يستقيم له الأصل.
ولا تكون قراءة الأصول قراءة تلخيص واستظهار، بل قراءة فحص واستنطاق. فحامل الحوكمة لا يقرأ الأطر العالمية والمعايير الدولية ليسأل: ماذا قالت؟ فحسب؛ بل يسأل: لماذا قالت؟ وما الخلل الذي جاءت لمعالجته؟ ولماذا رتبت مبادئها على هذا الوجه؟ ولماذا اختارت هذه الأداة دون غيرها؟ وما الذي يصلح أن يُستثمر في بيئته، وما الذي يحتاج تكييفاً أو استيلاداً؟
وبهذه القراءة ينتقل من الحفظ إلى الاستنباط، ومن النقل إلى التوليد. فهو يقرأ الإطار ليستخرج علته، ويقرأ الأداة ليردها إلى وظيفتها، ويقرأ التجربة ليعرف حدودها قبل أن يستشهد بها. ثم يوازن بين إطار وآخر، ويستخرج ما بينها من فروق دقيقة، ويقرأ ما وراء ترتيب المبادئ والأدوات والوظائف. وبهذا الصنع تتلاقح في ذهنه الحقول، فيستولد من تلاقحها بصيرة لا تخرج من حقل واحد، ولا تُحبس في إطار بعينه. ومن لم يتعلم استنطاق الأطر، ظل أسير ألفاظها؛ يحفظ ما تقول، ولا يدرك لماذا قالت، ولا كيف تُستثمر في موضع جديد.
حامل الحوكمة لا يقرأ الأطر العالمية ليحفظها، بل ليستنطق منطقها، ويستخرج عللها، ويستثمرها في موضعه.
المحطة الثانية: القضايا. ينتقل إلى دراسة قضايا بعينها: عدالة القرار، تعارض المصالح، المساءلة، الاستقلال، ضبط السلطة، حوكمة الملكية. لا قضايا مجردة، بل قضايا تدخل فيها الأركان الأربعة فتُختبر. وهنا يكتشف الطالب أن قضية واحدة قد تفتح له باباً كاملاً في الفهم لا تفتحه عشرة تعريفات مدرسية.
المحطة الثالثة: المحيط والعلوم المساندة. يتوسع بعدها إلى معرفة المحيط التشريعي والقطاعي، ثم إلى العلوم والأدوات المساندة بأبوابها الستة. لا ليكون متخصصاً في كل ذلك، بل ليستطيع أن يقرأ الحوكمة في موقعها الواقعي لا في فراغ، وأن يحاور أهل الاختصاص بلغة يفهمونها.
المحطة الرابعة: الممارسة. ثم ينزل إلى موضع مؤسسي بعينه، فيمارس قدر ما يستطيع: حضور مجالس، صياغة مذكرات، نقد وثائق، مراجعة قرارات، إدارة ورش، فتح حوارات مع إدارات مختصة. وفي الممارسة يكتشف ما لم يكتشفه في القراءة: أن المسافة بين النص والمشهد أوسع مما يظن.
المحطة الخامسة: الكتابة. ثم لا يكتمل تكوّنه حتى يكتب. والكتابة هنا ليست رفاهية، بل أداة تأمل. حين يكتب الحامل ما فهمه، تنكشف له ثغراته، ويستوي ما اختل، ويتجمع ما تناثر. ومن لم يكتب لم يستوف نصف ما فهمه؛ لأن القلم يفضح ما يجوز على الذهن.
ومن سأل: «من أين أبدأ؟»، فالأنفع له ألا يبدأ بسؤال: أي شهادة آخذ؟ بل بسؤال آخر: أي عين أحتاج أن أكونها لأقرأ المؤسسة والقرار والسلطة والمساءلة؟ وحينئذ تأتي الشهادة في موضعها خادمة، لا حاكمة على الطريق.
وهذه المحطات كلها تأخذ زمناً. الحوكمة من الحقول التي ينضج فيها صاحبها على مهل، ولا تستوي صنعته في عام ولا في اثنين. ومن استعجل على نفسه فظن بعد سنتين أنه استوفى الحقل، فقد ضل موضعه قبل أن يستوي تكوّنه.
عاشرًا: آفات التكوّن
ولكل تكوّن آفات تعرض على صاحبه، إذا غفل عنها قطعت عليه طريقه وهو لا يشعر. وأربع منها أدوم على من هو في طريق التكوّن وأخفى:
آفة الانبهار بالمصطلح. يأنس صاحبها بالألفاظ الجديدة، فيظن أن معرفة المصطلح هي معرفة ما يدل عليه. فيملأ كلامه بمفردات الحقل، وهو لا يزال بعيداً عن معانيها. والحوكمة لا تُختبر بإحصاء ما حفظه صاحبها من الأسماء، بل بقدرته على رد كل اسم إلى موضعه من البناء.
آفة القياس المستعجل. يقع فيها من يرى تجربة ناجحة في مؤسسة ما، فينقلها إلى مؤسسة أخرى دون أن يفحص اختلاف السياق. والحوكمة لا تُستنسخ، وإنما تُصمم لكل بيئة على ما يلائمها من الأصل العام.
آفة التماهي مع الجهة. يطول مكثه في مؤسسة ما حتى يصير صوتها لا صوت الحوكمة فيها. ويفقد في تلك الأثناء قدرته على تمييز ما تطلبه الحوكمة منها، مما تطلبه هي من الحوكمة. وهذه آفة خفية، يصعب على صاحبها أن يكتشفها بنفسه.
آفة الغرور المعرفي. يستحكم به قدر من المعرفة، فيظن أنه استوفى الحقل. وكلما توسع المرء في حقل معرفي زاد عطشه، إلا في حقل الحوكمة، فإن بعض من في الطريق ينقلب عطشه ريّاً قبل الأوان. والعلامة على هذه الآفة: أن يصير صاحبها يكتب أكثر مما يقرأ، ويجيب أسرع مما يسأل.
وهذه الآفات الأربع لا تنفصل عن الأركان الأربعة، بل هي ما يقابل كل ركن من الفساد الممكن: المعرفة يفسدها الانبهار، والتمييز يفسده القياس المستعجل، والانضباط يفسده التماهي مع الجهة، والأمانة يفسدها الغرور.
حادي عشر: مواقع الممارسة — مطبّق وحامل ومختص ومصمّم
وتتعدد مواقع الممارسة في الحوكمة، فيختلط بعضها في الاسم ويفترق في الحقيقة. وأدق ما يصلح للتمييز بينها أربعة مواقع، تتدرج لا بمعنى فضل بعضها على بعض، بل بمعنى اختلاف الوظيفة والعمق:
المطبّق هو من يعمل داخل إطار قائم، يلتزم بما صُمّم، ويتابع أدواته، ويحسن تشغيله في موضعه. وهذا دور معتبر، تستقيم به المؤسسة في عملها اليومي، ولا يُستهان به. لكنه لا يستلزم ملكة القراءة الحوكمية الأعمق؛ لأن صاحبه يحسن التنفيذ دون أن يلزمه أن يفهم منطق البناء كله.
والحامل هو من يفهم منطق الإطار، ويميّز بين مواضع القرار، ويرد الجزئي إلى أصله، والصورة إلى موضعها، والقرار إلى طبقته. هو الذي يستطيع أن يفتح الموقف بسؤال يحرّر النقاش، لا بحكم يغلقه. وفيه تجتمع الأركان الأربعة، ولو كان موقعه التنفيذي أدنى من غيره.
والمختص هو حامل زاد عمقاً في زاوية مخصوصة من الحوكمة: في حوكمة اللجان، أو في تعارض المصالح، أو في المساءلة، أو في قطاع بعينه. لم يفقد جامعية الحامل، لكنه أضاف إليها عمقاً في زاوية. وهذا العمق نفيس؛ لأن بعض قضايا الحوكمة لا يكفي فيها الحمل العام.
والمصمّم هو من يجاوز التطبيق والتخصص إلى بناء الإطار، حين لا تكفي النماذج الجاهزة. يستولد من الأصول ومن خصوصية الموضع إطاراً صالحاً لمؤسسته. وهو من لا تكفيه قراءة ما هو، بل يلزمه أن يتصور ما ينبغي أن يكون. ومن هنا قيل: المصمّم لا ينقل، بل يستولد.
وليس المقصود أن كل مطبّق ناقص، ولا أن كل حامل يلزمه أن يصير مصمماً؛ بل المقصود أن يُعرف موضع كل موقع، فلا يُطلب من المطبق ما لا يحسنه، ولا يُظن أن تشغيل النموذج هو عين تصميمه. وكثير من خلل المؤسسات ينشأ من خلط في هذه المواقع: مطبّق يُسأل عن تصميم، أو مصمّم يُحبس في تشغيل، أو حامل يُحمّل عمق مختص ليس في موضعه.
ثاني عشر: العلامة الجامعة
وإذا اجتمع للممارس هذه الأركان الأربعة، وقامت عليها ملكته الشخصية، وقطع هذه المحطات، ووقى نفسه هذه الآفات، عرف نفسه بعلامة جامعة تحضر عند كل اختبار:
قدرته على رد الجزئي إلى أصله، والصورة إلى موضعها، والقرار إلى طبقته.
هذه ثلاثية محكمة، لو حفظها الطالب ولم يحفظ غيرها لكانت كافية ليزن بها كل تدخل منه في الحوكمة:
رد الجزئي إلى أصله: ألا تنشغل بحالة عن قاعدتها، فتعالج ما يلوح من العرض دون مردّه إلى الأصل.
رد الصورة إلى موضعها: ألا تخلط نموذج قطاع بنموذج قطاع آخر، أو تنقل صورة ناجحة إلى موضع لا يحتمل أصلها.
رد القرار إلى طبقته: ألا تحمّل قرار مجلس ما يحتمله قرار لجنة، ولا تنزل قراراً استراتيجياً إلى موضع تنفيذي لا يتسع له.
من فعل هذه الثلاث في كل ما يأتيه، فهو في الطريق إلى أن يكون حاملاً. ومن غفل عنها، فما حمل، ولو لبس اسم الحامل.
ثالث عشر: مشهد كاشف
ولا بد من مشهد يريك ما تقدم في صورته العملية.
مؤسسة معتبرة في قطاعها، تواجه قضية دقيقة: عُرضت على مجلسها صفقة كبيرة، فيها منفعة ظاهرة للمؤسسة، وموقع غير واضح لأحد أعضاء المجلس. ولم يفصح العضو عن الموقع، لكن القرائن تلوح. والحاضرون أربعة، يملك كل منهم اسماً حوكمياً على بطاقته؛ لكنهم في اللحظة ليسوا أربعة أسماء، بل أربعة مواقف مختلفة:
الأول ينظر في النموذج، ويسأل: هل في اللائحة ما يمنع؟ فإن لم يجد مانعاً ظاهراً، مال إلى إجازة القرار. موقفه موقف مطبق يعمل داخل النص، ولا يتجاوز — في تلك اللحظة — إلى مقصده الأوسع.
الثاني يستشعر شيئاً، لكنه لا يملك أدوات الفحص. فيتوقف عن التصويت، لكنه لا يستطيع أن يفتح القضية بسؤال يحرّرها. موقفه قريب من الحامل، لكنه حامل في طريق التكوّن لم يكتمل بعد.
الثالث يفتح القضية بسؤال هادئ: ما طبيعة الاهتمام الذي ذكره العضو في إفصاحه السنوي؟ وهل سبق له تعامل تجاري مع الطرف الآخر؟ وما النسبة التي يستفيد منها موقعه في القرار؟ ثم يذكر اللجنة بأن الأصل في تعارض المصالح أن ينسحب المتعلق به من التداول، لا أن يكتفي بالإفصاح وحده. هذا حامل متكوّن، يقرأ القرار في طبقته الصحيحة، ويرد الصورة إلى أصلها، ويعرف من أين يفتح الباب.
والرابع — وهو في الموقع الأعلى تنفيذياً — لا يتدخل في النقاش الفني، ولا يقف عند معالجة الواقعة وحدها، بل يتدخل في تصميم الإجراء بعد القضية، ويسأل ما هو أبعد منها: أهذه حادثة منفردة، أم عرض لثقافة مؤسسية تسمح بمثلها؟ وما الخلل البنيوي الذي سمح بأن تصل إلى المجلس قبل أن تُفحص؟ وما الذي ينبغي أن يتغير في الإطار حتى لا تتكرر؟ هذا أقرب إلى المصمم: لم يكتف بمعالجة الحالة، بل عاد إلى الإطار يسأله عن جذرها.
أربعة مواقف، يكشفها مشهد واحد. وكل منها مشروع في موضعه. لكن الفرق بين أن يفهم الحامل موضع نفسه، وأن يلتبس عليه فيطلب من موقع المطبق ما يطلبه من موقع المصمم، هو الفرق بين مؤسسة تستوي حوكمتها، ومؤسسة تتراكم فيها القرارات بلا قراءة تفحصها.
رابع عشر: خاتمة وجسر
وبعد، فإن من يحمل الحوكمة لا ينشأ في يوم ولا في عام. تنشأ صنعته على مهل، بين معرفة مركبة، وقدرة تمييزية، وانضباط منهجي، وأمانة مهنية. وفوق ذلك كله ملكة شخصية تحمل هذه الأركان؛ فالحوكمة لا يحملها عقل جامد.
وتُختبر هذه الصنعة في مواضع الكلفة لا في مواضع السهولة. ويُعرف صاحبها بعلامة جامعة: قدرته على رد الجزئي إلى أصله، والصورة إلى موضعها، والقرار إلى طبقته.
ومن جمع هذه الأركان كفى مؤسسته في أكثر مواقعها؛ لأنه لا يحمل اسم الحوكمة وحده، بل يحمل عينها التي تقرأ، وميزانها الذي يفرّق، ومنهجها الذي ينضبط، وأمانتها التي تحفظ الصنعة من الميل.
وهي صنعة لا تكتمل بحمل المعنى وحده، بل بإنزاله في موضعه؛ حين يصير الفهم بناء يعمل، لا معرفة تُقال، وحين تنزل الحوكمة على القرار بقدر ما تستقر في الذهن.