يُظنُّ أن أخطر ما يواجه الحوكمة رفضُها. والذي واجهتُه في الممارسة أدق من ذلك: أن تُطلب الحوكمة بحماسة، ثم يُشترط عليها ألّا تبلغ سلطة القرار.

تُنشأ اللجان، وتُعتمد اللوائح، وتُكتب المحاضر، ويوضع اسم «الحوكمة» على الهياكل والبرامج. فإذا طُلب حدٌّ للصلاحية، أو سببٌ مكتوبٌ للقرار، أو ضبطٌ للعقوبة بمعيار، أو مسارٌ آمنٌ للاعتراض — تغيّرت اللغة: صار الضبط «بيروقراطية»، والتسبيب «تعقيدًا»، والمراجعة «إضعافًا للقيادة».

هنا لا تغيب الحوكمة؛ بل تُستعمل بطريقة أخرى: ختمًا يمنح القرار هيئة مؤسسية، لا مسارًا يختبره. وحين تقول جهة إنها تريد الحوكمة، لا يكفي أن نسأل: ماذا ستحوكم؟ بل يجب أن نسأل أيضًا: على من ستسري؟

الحوكمة ليست ما يفعله صاحب السلطة بالآخرين، بل ما يمنعه من أن يفعل بهم ما يشاء.

حوكمة الختم وحوكمة المسار

أُسمّي هذا النمط في هذا المقال: «حوكمة الختم» — ويقابلها «حوكمة المسار»:

حوكمة الختم

أن يُحسم القرار أولًا، ثم تُستدعى أدوات الحوكمة — اللجنة واللائحة والمحضر — لتوثيقه ومنحه هيئة مؤسسية؛ فتتغيّر هيئة الرأي، ولا يتغيّر مصدره.

قرار ← لجنة ← محضر ← اعتماد

حوكمة المسار

أن تدخل الحوكمة قبل القرار: في المعلومة، والرأي المستقل، والمعيار، والمداولة، والتسبيب والمراجعة — فتختبر استحقاق القرار قبل أن تمنحه الشرعية.

معلومة ← معيار ← مداولة ← قرار

حين تُطلب الحوكمة بعد حسم القرار، فهي لا تحكمه؛ بل تُحسّن إخراجه.

الاسم الجماعي لا يحوّل الرأي الفردي إلى قرار مؤسسي

قد تكون الأسماء جماعية والإرادة واحدة: المعلومة اختارها واحد، والسؤال صاغه واحد، والأعضاء اختارهم واحد، والاعتراض غير آمن، والنتيجة معروفة قبل أن يبدأ الاجتماع. فقد يكون الاجتماع جماعيًا في الحضور، فرديًا في صناعة القرار؛ وقد يقرر واحد، ثم تمنح الإجراءات القرار صورة الإجماع.

والعبرة ليست بعدد الحاضرين. بل إن الرأي الفردي حين يصدر باسم لجنة لا يصبح أقل فردية؛ يصبح أصعب مساءلة: فالقرار الصريح يُنسب إلى صاحبه، أما الرأي الذي ارتدى هيئة لجنة فتتوزع مسؤوليته ويزداد تحصنه، ولو بقي مصدره واحدًا.

سلامة النتيجة لا تُزكّي المسار

قد تُصيب حوكمة الختم أحيانًا: يخرج القرار سليمًا، والأعضاء أمناء، والنتيجة عادلة. لكن سلامة النتيجة لا تمنح الطريق براءة؛ فقد تكون سلامة القرار فضل الرجال، لا دليلًا على سلامة النظام. والمسارات الضعيفة قد تنقذها أمانة من فيها — غير أن المؤسسة لا يجوز أن تبني سلامتها على بقاء هؤلاء الأشخاص.

والمؤسسة الناضجة لا تسأل فقط: هل أصبنا هذه المرة؟ بل تسأل: هل يبقى الطريق صالحًا إذا تغيّر الرئيس، وتبدّل الأعضاء، وتعارضت المصالح، وكان الصواب مخالفًا لرغبة صاحب السلطة؟ فقد يُصيب المسار المعيب مرة كما قد يخطئ السليم مرة؛ والفرق أن السليم يكشف خطأه ويصححه، والمعيب لا يملك إلا أن يبرر نتيجته.

قد تُنقذ أمانة الأشخاص مسارًا معيبًا، لكنها لا تُصلحه.

الحكمة والمرونة المستعارتان

وحين يعجز المدافع عن سلطة لا تحدها معايير عن تسمية منطقه، يستدعي الحكمة والمرونة. لكن الحكمة ليست بابًا خلفيًا للتمييز: فهي تفسر اختلاف الحكم باختلاف الوقائع، أما المزاج فيفسره باختلاف الأشخاص. والحكمة لا تعفي صاحب السلطة من المعيار؛ بل تظهر في حسن تطبيقه.

الحكمة تميّز بين الوقائع، والمزاج يميّز بين الأشخاص.

وأما دعوى أن الضبط يقتل الابتكار، فالموظف لا يبتكر حين لا يعرف: هل سيُقاس فعله أم قربه؟ وهل يُنظر إلى نتيجة اجتهاده أم إلى رضا صاحب القرار عنه؟ البيئة الواضحة لا تقتل المبادرة؛ بل تحررها من الخوف. أما السلطة المتقلبة فتدفع الموظف إلى إرضاء الشخص بدل خدمة الغرض.

الغموض والانتقائية شاهدان

والأداة التي تُبقي حوكمة الختم ممكنة: الغموض. فحين تكون المخالفة عامة، والعقوبة واسعة، والتفسير بيد من يملك الجزاء، لا تعود اللائحة حدًا على السلطة؛ تصبح مستودعًا لمبرراتها. وتقرأ في بعض اللوائح: صلاحية «وفق ما تراه اللجنة»، وجزاء «بحسب النظام» دون إحالة منضبطة، ومخالفة سلوكية لا يُحدّد فعلها، وامتثالًا لا يُذكر مرجعه؛ فتبدو العبارة التزامًا عامًا، لكنها تعمل عند التطبيق سلطة مفتوحة. والغموض في المخالفة يجعل العقوبة قرارًا يبحث عن نص، بدل أن يكون النص سابقًا على القرار. ولهذا الغموض تشريح مستقل لا يتسع له هذا المقال؛ ويكفي هنا أنه ينقل المعيار من النص إلى يد من يملك التفسير والجزاء.

ولهذا وجه ثان: الحوكمة الانتقائية. تُضبط المصروفات لأنها تُراجع، وتُترك بعض القرارات الإدارية والتأديبية لأنها تُعاش في الظل؛ فتحوكم بعض الجهات ما يراه المراجع، وتترك ما يدفع الموظف ثمنه. والخطر لا يُقاس بحجم المبلغ، بل بحجم السلطة والأثر: فقرار يمس راتب موظف وسمعته ومساره المهني قد يكون أشد أثرًا عليه من نفقة كبيرة لا تمسه.

في الضوء

الصرف، والمشتريات، والعهد، والتوقيعات — طبقات من الضبط والمراجعة.

في الظل

التقييم، والعقوبات، والترقيات، والتكليفات — «حسب ما تراه الإدارة».

اختبار الرد

يمكن كشف حوكمة الختم بسؤال حاكم واحد: هل يستطيع المسار ردَّ رغبة صاحب السلطة إذا خالفت المعلومة والمعيار؟ فإن لم يستطع، فهو لا يحكم القرار؛ بل يوثّق إرادة صاحبه. ويتفرع عنه خمسة أسئلة:

  1. هل يستطيع المسار إيقاف قرار يريده صاحب السلطة إذا خالف المعلومة أو المعيار؟
  2. هل يصل الرأي المخالف ويُثبت دون أن يدفع صاحبه ثمنه؟
  3. هل تتساوى المعاملة إذا تغيّر الشخص وبقي الفعل؟
  4. هل يُرد القرار إلى معلومة ومعيار وتسبيب، لا إلى «رأي صاحب الصلاحية»؟
  5. هل يبقى المسار صالحًا وفاعلًا إذا تغيّر الرئيس أو أعضاء اللجنة؟

إذا كانت الإجابة تعتمد على حسن الشخص لا على قوة المسار، فالجهة لم تحوكم القرار بعد.

خاتمة

إذا عجز المسار عن هذه الاختبارات، فاللجنة واللائحة والمحضر لا تحكم القرار؛ بل تمنح الرأي الشخصي هيئة مؤسسية ومسؤولية موزعة.

والحوكمة لا تأتي لتمنح رأي صاحب السلطة هيبة مؤسسية؛ بل لتختبر استحقاقه لأن يصير قرارًا مؤسسيًا. وهي لا تنتقص من القيادة، ولا تلغي التقدير، ولا تقتل الابتكار؛ لكنها تنزع من صاحب السلطة ما لا ينبغي أن يملكه أصلًا: أن يضع القاعدة، ويفسرها، ويستثني منها من يشاء، ويحكم بها على من يشاء.

فمن أراد الحوكمة لضبط الموظفين، ولم يردها لتضبط سلطته، لم يطلب حوكمة؛ بل طلب طاعة تحمل اسم الحوكمة.

الحوكمة تبدأ حين تقف أمام صاحب السلطة، لا حين تقف خلفه في مواجهة الآخرين.