خذ هذه العبارة:
«تُرفع الحالاتُ المستوفيةُ إلى صاحب الصلاحية للاعتماد، بعد مراجعة الإدارة المختصّة.»
عبارةٌ لا لبسَ فيها. ولو عُرضت على عشرةٍ لقرأوها قراءةً واحدة. ثمّ اسأل عنها سؤالًا واحدًا: ماذا صنعت هذه العبارةُ في القرار؟
لن تُجيب. لا لأنّها غامضة، بل لأنّ الجوابَ ليس فيها.
فقد وردت بحروفها في منشأتين. في الأولى كانت الإدارةُ المختصّةُ تتبع صاحبَ الصلاحية نفسَه، ومراجعتُها خطوةٌ في إعداد الملفّ ترفع إليه ما ظهر لها ويبقى الحسمُ عنده؛ فرتّبت العبارةُ العملَ ولم تنقل من سلطته شيئًا. وفي الثانية كانت الإدارةُ المختصّةُ ترفع إلى لجنةٍ يمنحها ميثاقُها أن توقف ما لم يستوفِ شرطًا؛ فصار ما يبلغ صاحبَ الصلاحية ليس كلَّ ما استوفى، بل كلَّ ما لم يُوقَف.
ولم يقرأ أحدٌ في المنشأتين العبارةَ قراءتين؛ قرأوها قراءةً واحدةً بعينها، وعملوا بها على وجهها. فليس ها هنا معنيان اختُلف فيهما؛ بل معنًى واحدٌ وأثران.
ولم يصنع الفرقَ اختلافُ الألفاظ؛ فالعبارةُ بحروفها واحدة. وقد تكون الثانيةُ تحتاج عبارةً غيرَ هذه — ولم يظهر ذلك لأحد؛ إذ ليس في العبارة ما يُنبئ بما ستصنعه حين تنزل.
ومن هنا تقوم مسألةُ هذه السلسلة.
فالنصُّ لا يقف خارج القرار ينتظر أن يُطبَّق بعد اكتماله؛ بل يدخل في تكوينه قبل أن يجلس أحدٌ إليه: يمنح ويقيّد، ويفتح طريقًا ويغلق آخر، ويضع حدًّا أو شرطًا، ويؤثّر فيمن يبلغه القرارُ وما الذي يبلغه معه. وسلامةُ العبارة شرطٌ في النص، ولا تُنبئ وحدَها بما صنعه.
ولذلك يُقرأ النصُّ على خطّ القرار بأربعة أسئلةٍ متعاقبةٍ لا تُغني واحدةٌ منها عن أختها:
بأيّ حقٍّ قال؟ · وماذا صنع؟ · وإلى أين بلغ؟ · وبأيّ قوّةٍ يعمل؟
سلطانُه، ووظيفتُه، ونطاقُه، ودرجتُه. لا لأنّ العبارةَ قليلةُ الشأن، بل لأنّها لا تعمل وحدَها.
ثمّ تأتي الألفاظُ التي يوزّع بها النصُّ الأدوار، فيكون الفرقُ بين من يراجع ومن يوصي ومن يوافق ومن يعتمد فرقًا يبلغ موضعَ السلطة نفسَه. ثمّ يشتدّ الامتحانُ حين لا تبقى الحالُ سهلة: حين تتعدّد النصوصُ فيُسأل أيُّها يحكم، وحين يغمض فيُسأل من يملك معناه، وحين يسكت فيُسأل من يملك القرار، وحين تُطلب حالةٌ تخرج من حكمه فيُسأل بأيّ حقٍّ تخرج.
وفي أثناء ذلك كلِّه يجري عطبٌ أخفى منها جميعًا: أن تصنع الممارسةُ مع الزمن حكمًا لم يُنشئه مصدرُه، ثمّ يستقرّ العملُ عليه حتى يُعامَل كأنّه من النص.
ولا تُجيب هذه الافتتاحيةُ عن واحدةٍ من هذه المسائل؛ إنّما تضعها في مواضعها، لتأخذ كلُّ حلقةٍ سؤالَها ولا تحمل سؤالَ أختها.
فالنصُّ فاعلٌ في القرار لا يجلس إليه: يحضر أثرُه، ويغيب اسمُه حين تُبحث السلطةُ والتبعة.
قد لا يتّخذ النصُّ القرار، لكنه قد يحدّد قبل الجميع من يملكه، وما الذي يملكه، ومتى يملكه.
فمن قرأ نصوصَه بمواضعها، عرف أين تقف السلطةُ قبل أن تتحرّك؛ ومن اطمأنّ إلى عباراتها وحدها، حرس اللفظَ وأسلم الحكم.