«الإطار الحوكمي لا يُستعار جاهزاً؛ بل يُستولد من طبيعة مؤسسته.»

ينطلق هذا المقال من حيث انتهت قراءة «الحوكمة بين الأصل الجامع والصورة القطاعية». وقد ميّزت تلك القراءةُ بين الأصل الجامع للحوكمة والصورة القطاعية؛ فالأصولُ تنتقل، أمّا الصورُ فتتغيّر بحسب طبيعة القطاع. فإذا كانت تلك القراءة قد سألت: ما الذي يثبُت وما الذي يتغيّر بين القطاعات؟ فإنّ هذه القراءة تنتقل من سؤال الفرز إلى سؤال البناء: كيف نبني الإطار حين نعرف ذلك؟

فالفرزُ النظريُّ لا يكفي. والمُمارِس يحتاج منهجيةً يُمارِسها على مؤسسته، لا قاعدةً يتأمّلها فقط.

مُمارِسٌ مَنوطٌ به بناءُ حوكمةٍ لمؤسسةٍ وقفية. يجلس أمام صفحةٍ بيضاء، ويعرف أنّ أمامه ثلاثَ طرق: أن ينسخ نموذجَ شركةٍ مساهمة فيُلبِس الوقفَ ثوبًا ليس له، أو أن يبتدع من الصفر فيُلغي تجاربَ قرنٍ من النضج الحوكمي، أو أن يفعل شيئًا ثالثًا لا اسم له بعد. وهذا الشيءُ الثالث هو ما نُسمّيه في هذه القراءة الاستيلاد.

والاستيلادُ ليس نقلًا، ولا تلفيقًا، ولا ابتداعًا من فراغ. هو بناءُ إطارٍ جديدٍ من ثلاثة مصادر متفاعلة: أصولٍ ثابتة، وتجارب مفروزة، وخصوصيةٍ مؤسسيةٍ محدّدة. والإطارُ المتولّد عن هذا التفاعل مولودٌ لا منقول، ولا مبتَدع. ومن هنا اللفظ.

أوّلًا: تحرير المصطلح

تلتقي بـ«الاستيلاد» في الاستعمال ثلاثةُ مفاهيمَ متقاربة، يلزم تحريرها قبل البناء عليها.

النقل: منهجٌ عامٌّ في الإفادة من قطاعٍ ناضجٍ عند البناء لقطاعٍ آخر. وله صورتان: نقلٌ واعٍ يُثمر إطارًا مُكيَّفًا يخدم القطاع الجديد، ونقلٌ فاسدٌ ينقلب إلى استنساخٍ إذا أُخِذ النموذجُ بلا فرزٍ ولا تكييف. فالنقل مظلّة، تحتها صورةٌ راشدة وصورٌ فاسدة.

الاستنساخ: هو الصورة الفاسدة من النقل. أخذُ النموذج كاملًا دون تكييف. وقد فُصِّل خطره في القراءة السابقة.

الاستيلاد: عمليةٌ منهجية تُنتج إطارًا جديدًا من تفاعل أصولٍ جامعةٍ مع تجاربَ قطاعيةٍ مع خصوصيةٍ محدّدة. ليس درجةً من النقل، بل عملٌ مستقلٌّ له منهجه. ينطلق من المؤسسة، لا من نموذجٍ خارجي.

والفرقُ الجوهري: الناقلُ يجلب نموذجًا، والمُستَولِد يبني واحدًا.

ثانيًا: المصادر الثلاثة للاستيلاد

كلُّ إطارٍ حوكميٍّ مُستَولَد يُبنى من ثلاثة مصادر، لا من مصدرٍ واحد. ومن اقتصر على مصدرٍ دون الآخرين، أنتج بناءً معطوبًا.

أوّلها — الأصول الحوكمية الجامعة: تلك الستة التي ثبتت في القراءة السابقة: توزيع السلطة، والمساءلة، وعدالة القرار، وحماية أصحاب المصلحة، والإفصاح، والرقابة بأوجهها. هذه ثابتةٌ لا تتغيّر بحسب القطاع، تُؤخَذ كما هي بصياغةٍ تلائم المؤسسة.

وثانيها — التجارب القطاعية الناضجة: وأوّلها حوكمةُ الشركات، ثم القطاعاتُ التي تطوّر فيها الحقل (المالي والمصرفي والتأميني)، ثم القطاعاتُ التي بدأ يتكوّن فيها حقلٌ حوكميٌّ أوضح كالقطاع غير الربحي والجامعي. تُؤخَذ منها بفرزٍ، لا بنسخ.

وثالثها — خصوصيةُ القطاع المستهدَف: وهي المتغيّراتُ الستة التي ثبتت في القراءة السابقة: هوية المالك، وطبيعة الهدف، وأصحاب المصلحة، والإطار التشريعي، وأُفُق الزمن، والثقافة. هذه المتغيّراتُ تُحدّد ما ينتقل، وما يُكيَّف، وما يُبتكر.

والإطارُ المُستَولَد يجمع هذه المصادر الثلاثة في تفاعلٍ، لا في تجاور. كلُّ مصدرٍ يضبط الآخرين ويُعيد تفسيرهما، فلا تُؤخَذ الأصولُ مجرّدةً عن الخصوصية، ولا تُمرَّر التجاربُ بلا فرزٍ بميزان الأصول. وهذا التفاعلُ هو ما يُميّز الاستيلادَ عن التلفيق. فالتلفيقُ يأخذ من كلّ مصدرٍ شيئًا ويضعه بجانب الآخر؛ أمّا التفاعلُ فيستحضر كلَّ مصدرٍ في موضعه، ويَدَع الآخرين يضبطانه.

ثالثًا: الإطار المُكيَّف والإطار المُستَولَد

المصادرُ الثلاثة لا تُنتج صورةً واحدةً من الإطار. بحسب كيفية تفاعل المُمارِس معها، تنشأ ثلاثُ صورٍ تلزم التفرقة بينها.

الصورة الأولى — الإطار المنسوخ حرفيًّا: يأخذ نموذجًا جاهزًا ويُطبّقه دون تكييف. وهذا استنساخٌ لا استيلاد، وقد فُصِّل خطره من قبل: شكلٌ بلا موضع، وهيكلٌ بلا حوكمة.

الصورة الثانية — الإطار المُكيَّف: وهو التطبيقُ المؤسسيُّ للنقل الواعي: يأخذ نموذجًا جاهزًا ويُعدّله ليلائم القطاع. وهو أفضلُ من الاستنساخ بكثير، لكنّه يبقى محدودًا بأُفُق النموذج المأخوذ، لا يتجاوزه.

الصورة الثالثة — الإطار المُستَولَد: يَنطلق من قراءة المؤسسة، ويستحضر الأصولَ الجامعة، ويستفيد من تجاربَ قطاعيةٍ متعدّدةٍ بفرزٍ، ويبتكر ما يلزم. هذا إطارٌ جديدٌ يخدم القطاع الجديد، له شخصيتُه الموصولةُ بمرجعيته، لا المنقطع عنها.

والفرقُ بين الصورتين الثانية والثالثة دقيقٌ لكنّه جوهري، ومدارُه على فارقٍ حاكمٍ واحد تتفرّع عنه سائرُ الفروق: نقطةُ البَدء. فالمُكيَّف يبدأ من نموذجٍ مصدر، والمُستَولَد يبدأ من المؤسسة. ومن هذا الفارق الحاكم تتفرّع ثلاثةُ آثار: أوّلها البناء — فالمُكيَّف يغلب عليه مصدرٌ مرجعيٌّ واحد، والمُستَولَد يتكوّن من أصولٍ جامعةٍ وتجاربَ مفروزةٍ وخصوصيةٍ محدّدة. وثانيها طبيعةُ العمل — فالمُكيَّف يقوم على التعديل والحذف والإضافة، والمُستَولَد يقوم على بناءٍ تفاعليٍّ منضبط، يبتكر أداةً جديدةً حين تستدعي الخصوصيةُ ذلك. وثالثها النتيجة — فالمُكيَّف نسخةٌ معدّلة من إطارٍ سابق، والمُستَولَد إطارٌ له شخصيتُه، موصولٌ بمرجعيته، لا منقطعٌ عنها.

رابعًا: منهج الاستيلاد

إذا عرفنا ما الإطارُ المُستَولَد، بقي أن نعرف كيف يُبنى. والاستيلادُ ليس بصيرةً فطريةً يملكها بعضُ المُمارسين، بل منهجيةٌ ذاتُ محطّاتٍ يُحسنها من تدرّب عليها.

المحطّة الأولى — قراءةُ طبيعة المؤسسة: قبل أيِّ بناء، تُقرأ المؤسسةُ قراءةً عميقة: من مالكها؟ ما هدفها؟ من أصحاب مصلحتها؟ ما إطارها التشريعي؟ ما أُفُق زمنها؟ ما ثقافتها؟ تعمل المتغيّراتُ الستةُ هنا أداةَ قراءةٍ لا قائمةً تُملأ شكليًّا. والقراءةُ الناقصة في هذه المحطّة تنعكس على كلّ ما بعدها؛ فمن قرأ مؤسسةً وقفيةً بنفس قراءته لشركةٍ مدرجة، لن يستَولِد لها إطارًا يلائمها مهما أتقن المحطّات التالية.

والثانية — تثبيتُ الأصول الجامعة: مهما اختلف القطاع، الأصولُ الستةُ ثابتة. تُكتب في وثيقة الحوكمة بصياغةٍ تلائم المؤسسة، لا بصياغةٍ منقولةٍ من نموذجٍ آخر. فمبدأ المساءلة في الشركة المساهمة يُصاغ بلغة «المساءلة أمام المساهمين»، وفي الوقف يُصاغ بلغة «المساءلة أمام شرط الواقف والجهة الإشرافية»، وفي الجامعة بلغة «المساءلة أمام أصحاب المصلحة الأكاديميين والمجتمع». الأصلُ واحد، والصياغةُ متعدّدة.

والثالثة — مسحُ التجارب القطاعية القريبة: تُلتَمس القطاعاتُ المشابِهة في الخصائص المؤثّرة على الحوكمة، لا في الاسم، ولا في القطاع الظاهر. فالمؤسسةُ الوقفية أقربُ جوهريًّا إلى منظّمةٍ غير ربحيةٍ ذاتِ رسالةٍ دينيةٍ منها إلى مكتبٍ وقفيٍّ حكومي. والجامعةُ الأهليةُ الناشئة أقربُ إلى مراكزَ بحثيةٍ أكاديميةٍ منها إلى مدرسةٍ خاصة. والمسحُ ينبغي أن يكون عريضًا قبل أن يكون عميقًا.

والرابعة — تطبيقُ قاعدة الفرز: مع كلِّ أداةٍ من التجارب الناضجة، يُطرح السؤال: هل تخدم أصلًا جامِعًا، أم تخدم خصوصيةَ قطاعٍ لا يلائم القطاع المستهدَف؟ ما يخدم الأصلَ ينتقل بتكييف، وما يخدم خصوصيةً لا تنتقل يُترك. والقاعدةُ تعمل هنا بصورةٍ متكرّرةٍ لا مرّةً واحدة: مع كلّ لجنة، ومع كلّ سياسة، ومع كلّ إفصاح، ومع كلّ مؤشّر أداء، يُطرح السؤال نفسه. ومع كلّ مرّةٍ يزداد المُمارِس قدرةً على الفرز.

والخامسة — الابتكار المنضبط واختبار الإطار: بعض الأدوات لا توجد في القطاعات الناضجة لأنها تخدم خصوصيةَ القطاع المستهدَف تحديدًا. هنا يبدأ الابتكارُ المنضبط: في الوقف، آليةُ حفظ شرط الواقف وآليةُ التصرّف عند تعذّر تنفيذه. وفي الشركة العائلية، ميثاقُ العائلة وآليةُ الانتقال بين الأجيال. وفي المنظّمة الرسالية، آليةُ اختيار الرسالة وضمان صدقها عبر الزمن. وهذا الابتكارُ ليس حُرًّا، بل موجَّهٌ بسؤال: ما الأصلُ الذي ينبغي أن تخدمه هذه الأداة؟ فميثاقُ العائلة يخدم أصلَ عدالة القرار بين الشركاء العائليين وغير العائليين، وأصلَ توزيع السلطة بين دوائر العائلة والملكية والإدارة. فهو ليس ابتكارًا عشوائيًّا، بل ابتكارٌ يستَولِد الأصلَ في صورةٍ جديدة. ثم يُختبَر الإطارُ بعد بنائه في اتساقه الداخلي بين عناصره، وفي اتساقه الخارجي مع البيئة التشريعية والثقافية المحيطة. والاستيلادُ لا ينتهي بالكتابة؛ يُجرَّب الإطارُ فترةً، وتُجمَع الملاحظات، ويُصحَّح. والمؤسساتُ الراشدة تفترض أنّ النسخة الأولى من الإطار مسوّدةٌ لا نسخةٌ نهائية.

خامسًا: مشهدٌ كاشفٌ من الوقف

في إحدى المؤسسات الوقفية الناشئة، اجتمع المؤسّسون لبناء حوكمتها. حضر مستشارٌ خبيرٌ في حوكمة الشركات، فعَرَض عليهم نموذجَ مجلس إدارةٍ مكتمل، بلجان ترشيحاتٍ ومكافآتٍ ومراجعة، وسياسةَ حقوق المساهمين، ومؤشّراتِ أداءٍ على نمط الأسواق المالية. قال أحدُ المؤسّسين: «ولكنّنا لسنا شركة، نحن وقف». فأجابه المستشار: «إنها أُطرٌ مُجرَّبة، تُكيَّف وتُطبَّق».

اعترض أحدُهم بفكرةٍ مضادّة: «نترك كلَّ هذا، ونكتب لأنفسنا ميثاقًا رساليًّا يحفظ مقصد الواقف، ونستغني عن المرجعيات كلّها». ساد الصمتُ لحظة، إذ شعر الجالسون بأن الأول يُلبسهم ثوب غيرهم، وأن الثاني يتركهم بلا ثوب.

ثم تكلّم أحدُ المؤسّسين: «الواقفُ شرط أن يخدم وقفُه طلبةَ العلم إلى آخر الدهر. هذا أصلٌ لا نملك مسّه. واستثماراتنا اليوم تُدار في أسواقٍ تخضع لأنظمةٍ ومعايير إفصاح. وأجيالُنا القادمة ستنظر في قراراتنا اليوم. فمن أين نبدأ؟»

فبدؤوا. أخذوا من الأصل: المساءلةُ أمام شرط الواقف والجهة الإشرافية لا أمام مساهمين. وأخذوا من تجربة المنظّمات الرسالية آليةَ حفظ الرسالة عبر الأجيال، ومن تجربة الشركات العائلية آليةَ الانتقال بين النُّظّار، ومن تجربة الجهات الإشرافية الحكومية نمطَ الإفصاح الملائم لطبيعتهم. وما لم يجدوه في أيٍّ منها — آليةُ التصرّف عند تعذّر تنفيذ شرط الواقف — ابتكروه ابتكارًا منضبطًا، يخدم أصلَ المساءلة في صورةٍ وقفية.

في تلك الجلسة، لم ينسخوا، ولم يبتدعوا من فراغ. وُلِد لهم إطار. وحين رفعوه مكتوبًا بعد أشهر، عرفوا أنه ليس نموذجَ شركة، وليس ميثاقًا رساليًّا فضفاضًا، وليس مُلفَّقًا من أدواتٍ متناقضة. كان إطارًا له شخصيتُه الموصولةُ بمرجعيته. هذا هو الاستيلاد.

سادسًا: مخاطرُ الاستيلاد الخاطئ

والاستيلادُ صنعةٌ تُحسَن وتُساء. وأكثرُ صور الإساءة فيه ثلاث.

الأولى — الاستيلاد الكسول: ينقل من نموذجٍ واحدٍ قريب، ويدّعي الاستيلاد. وهذا في الحقيقة نقلٌ بتكييف، لا استيلاد. ومن قال «استَولَدتُ إطارًا» وهو ينظر إلى نموذجٍ واحدٍ فقط، فقد ادّعى ما لم يفعل.

والثانية — الاستيلاد المتهوّر: وهو المسارُ الذي يدّعي الاستيلاد ثم ينتهي إلى التلفيق بسبب فشل الفرز. فالتلفيقُ هو النتيجة المعطوبة — إطارٌ يجمع أدواتٍ متفرّقةً بلا تفاعلٍ منهجي؛ والمتهوّرُ هو الطريقُ إليه: يخلط من مصادرَ متعدّدةٍ دون فرز، فتتناقض العناصر، وتتزاحم الأدوات، ويغيب المنطق المُحكَم. وهذا أخطرُ من الاستنساخ، لأنّ الاستنساخ يُنتج هيكلًا معروف العيب، أمّا التلفيقُ فيُنتج هيكلًا يبدو جديدًا وهو في الحقيقة معطوبٌ من الداخل.

والثالثة — الاستيلاد المُستنسَخ من نفسه: مُمارِسٌ يُكرّر إطاره نفسه في كلّ مؤسسةٍ يعمل عليها، ويقول «هذا إطارٌ مُستَولَدٌ لك». والفرقُ بينه وبين الكسول: الكسولُ ينقل من نموذجٍ خارجيٍّ واحد، أمّا هذا فينقل من نفسه. وهذه الصورةُ أخطرُ من الاستنساخ المعتاد، لأنها تكسو فعلَ النسخ بلباس المنهجية، فيُصدّقها المُمارِسُ قبل أن يُصدّقها أحد. والمُستَولِدُ الحقيقيُّ يخرج من كلّ مؤسسةٍ بإطارٍ مختلف، لا بنسخةٍ من إطاره السابق.

سابعًا: حدودُ الاستيلاد

الاستيلادُ ليس بديلًا مطلقًا عن النقل، ولا وصفةً لازمةً لكلّ مؤسسة. هو منهجٌ تصميميٌّ يُستدعى حين لا تكفي المُواءمة، وحين تكون خصوصيةُ المؤسسة أو القطاع أعمقَ من أن تُحَلّ بنموذجٍ منقول.

والنقلُ بتكييفٍ يكون أولى حين يكون القطاعُ ناضجًا. فالشركةُ المدرجةُ الجديدة في قطاعٍ له تجربةٌ عريضة — كالمصرفي والتأميني والصناعي التقليدي — يكفيها نقلٌ بتكييفٍ عن نماذجَ موجودة. والاستيلادُ هنا مبالغة، لأنّ القطاع نفسه يملك مرجعيةً ناضجة.

ويكون أولى كذلك حين تكون المؤسسةُ صغيرة. فالمؤسسةُ الصغيرةُ بهيكلٍ بسيط، الاستيلادُ فيها قد يكون عبئًا يفوق حاجتها. والنقلُ المُكيَّف يكفي، مع التزام الأصول الجامعة في صياغتها.

ويكون أولى أيضًا حين يكون الزمنُ عاجلًا. فالمؤسسةُ التي تحتاج حوكمةً في وقتٍ قصير، تأخذ نموذجًا مُكيَّفًا، ثم تُطوّره لاحقًا. والاستيلادُ الكاملُ يستحقّ زمنًا، وليست كلُّ مؤسسةٍ تملكه.

ومن حدوده كذلك أنّ تأخيره في موضع الحاجة قد يُكلّف المؤسسة تراكمَ المخاطر، وضياعَ الفرص، وغيابَ المرجعية الداخلية؛ فكما أنّ الاستيلاد لا يُستدعى حيث يكفي النقلُ المُكيَّف، لا ينبغي تأخيرُه حيث لا تكفي النماذجُ الجاهزة. والاستيلادُ لا ينتظر النضجَ الكامل للحقل، بل يبدأ بأفضل ما هو ممكن، ويُصحّح لاحقًا.

فالاستيلادُ الكاملُ منهجٌ للحالات التي تستحقّه: قطاعاتٌ لم ينضج فيها الحقل، ومؤسساتٌ ذاتُ خصوصيةٍ بارزة، ومؤسساتٌ يتوافر لها زمنٌ وموارد لبناء إطارٍ طويل النَّفَس. ومن لم يعرف متى يستَولِد ومتى ينقل، أفسد بأحدهما الموضعَ الذي يحتاج الآخر.

ثامنًا: المُصمِّمُ الحوكمي المُستَولِد

وقد قُدّم في القراءة السابقة مفهومُ «المُصمِّم الحوكمي الراشد» الذي يُميّز بين الأصل والصورة. والمُصمِّمُ المُستَولِد لا يختلف عنه في أصل المنهج، لكنّه يزيد عليه خَصلةً حاسمة: القدرةُ على الابتكار المنضبط حين لا تكفي النماذجُ الجاهزة. لا يُلجِم نفسه بأنّ ما يبنيه «ليس موجودًا في النماذج المعروفة»، ولا ينطلق في الابتكار بلا ضابطٍ من الأصول. يبتكر حين يستدعي الأصلُ صورةً لم تسبق، ويُكيّف حين تكفي الصورُ القائمة.

التكييفُ يبدأ من نموذجٍ قائمٍ فيُعدّله، أمّا الاستيلادُ فيبدأ من المؤسسة، ثم يستحضر النماذجَ بقَدر ما تخدمها.

خاتمة

والاستيلادُ ليس بديلًا مطلقًا عن النقل، ولا تهرّبًا من الابتداع، بل منهجٌ تصميميٌّ يُستحضَر حين لا تكفي المُواءمة، ولا يَصِحّ الابتداعُ من فراغ. ينطلق من قراءة المؤسسة، ويستحضر الأصولَ الجامعة، ويستفيد من التجارب الناضجة بفرزٍ، ويبتكر ما يلزم بمنهجيةٍ لا بعشوائية.

والفرقُ بين الناقل والمُبتدِع والمُستَولِد ليس في الأدوات وحدها، بل في نقطة البَدء، ومنهج الاختيار، وطريقة تركيب الإطار. الناقلُ ينطلق من نموذجٍ خارجيٍّ ويجلبه. والمُبتدِعُ ينطلق من المؤسسة ويُهمل ما حولها. والمُستَولِدُ ينطلق من المؤسسة ومن محيطها المرجعي معًا، فيستَولِد إطارًا يخدم المؤسسة ويستفيد ممّا حولها.

والإطارُ الحوكميُّ لا يُستعار جاهزًا؛ بل يُستَولَد من طبيعة مؤسسته. والاستيلادُ يبني الإطارَ العامَّ للمؤسسة. لكنّ هذا الإطار، حين ينزل إلى الواقع، يصطدم بحقيقةٍ جديدة: داخل المؤسسة الواحدة، لا توجد حوكمةٌ واحدة، بل طبقاتٌ متعدّدة. لكلّ طبقةٍ قواعدها، وتحتاج فرزًا عن غيرها. كيف نفهم تداخل هذه الطبقات؟ وكيف نمنعها من التزاحم؟ ذلك ما تفتحه القراءةُ التالية.