«الحوكمة لا تُنقل بين القطاعات، بل تُصمّم لها.»

مُمارِسٌ قضى سنواتٍ في حوكمة شركةٍ مساهمةٍ كبرى، انتقل لبناء حوكمةٍ جامعة. اكتشف في الشهر الأول أنّ كثيرًا ممّا تعلّمه يعمل، وكثيرًا منه لا يعمل. لجنةُ المراجعة تعمل، لكنّ آلياتِ الإفصاح لا تعمل بالمنطق نفسه الذي تعمل به في الشركة المُدرجة. مجلسُ الإدارة يعمل، لكن لا يملك على القرار الأكاديمي ما يملكه على القرار التجاري. مؤشّراتُ الأداء تُكتب، لكنّها لا تقيس النجاح كما تقيسه في الشركة.

السؤالُ الذي يفتح هذا المقال ليس «ما الحوكمة؟» — هذا تناولناه من قبل. السؤالُ هنا أدقّ: كيف تبقى أصولُ الحوكمة الجامعة مع اختلاف صُوَرها بحسب القطاعات؟ وما الذي ينتقل من قطاعٍ إلى قطاع، وما الذي ينبغي أن يتوقّف عند حدوده؟

أوّلًا: لماذا تبلورت حوكمةُ الشركات أوّلًا؟

تبلورت حوكمةُ الشركات كحقلٍ معرفيٍّ متميّز من أزمة فصل الملكية عن الإدارة في الشركات الكبرى، وتطوّرت من حالات الفشل الكبرى التي هزّت الأسواق المالية، ثمّ غلبت أدبياتُها على كثيرٍ من النقاشات اللاحقة في الحوكمة. فأنتجت الحاجةُ أُطُرًا متراكمة، صار لها أدبياتٌ متينة، ومعاييرُ دولية، وضوابطُ تنظيمية. هذا التراكمُ جعل «حوكمةَ الشركات» المرجعيةَ الأولى التي يلجأ إليها كلُّ من يريد بناء حوكمةٍ في أيِّ قطاعٍ آخر.

والنتيجةُ المشهودة: حين تطلب جامعةٌ أو جهةٌ حكومية أو مؤسسةٌ غير ربحية بناءَ حوكمتها، يأتي المستشارُ بنموذجٍ جاهزٍ منقولٍ من حوكمة الشركات، مع تعديلاتٍ سطحية. الصورةُ قائمة، والموضعُ مفقود؛ أي أنّ الأداةَ حضرت منفصلةً عن الأصل الذي تخدمه.

ثانيًا: ما الأصل الجامع في كلِّ حوكمة؟

ستةُ أصولٍ ثابتةٌ في كلِّ مؤسسة، لا تتغيّر بحسب القطاع، ولا تنقطع بزوال صورةٍ وُضِعت لها في قطاعٍ بعينه. ولا أتعامل مع هذه الأصول بوصفها تعريفًا مغلقًا للحوكمة، بل بوصفها القاسمَ الحوكميَّ المشترك الذي تكشفه التجاربُ المؤسسية حين نُجرّدها من صُوَرها القطاعية المختلفة:

الأول: توزيعُ السلطة بين أصحاب القرار وحامِلي التنفيذ، بحيث لا تتركّز فتُفسد، ولا تضيع فتتلاشى المسؤولية.

الثاني: المساءلةُ عن استعمال السلطة، بحيث تجد كلُّ سلطةٍ من يُسائلها، ويجد كلُّ قرارٍ من يحمل تَبِعاته.

الثالث: عدالةُ القرار المؤسسي، بحيث لا ينحرف القرار لمصلحة فئةٍ دون أخرى، ولا يتحوّل من خدمة المؤسسة إلى خدمة من في يده.

الرابع: حمايةُ أصحاب المصلحة المتعدّدين، بحيث لا يُهمَل صاحبُ حقّ، ولا تُؤكَل حقوقُ فئةٍ بسبب ضعفها التنظيمي.

الخامس: الإفصاحُ والشفافية بقدر ما يكفل المساءلة، ويُقلّل عدمَ تماثل المعلومات بين من يملك المعلومة ومن يستحقّها.

السادس: الرقابةُ بأوجهها الخمسة التي فصّلناها من قبل (الإشراف الأعلى، الضبط التشغيلي، التقويم المستقل، الالتزام، الرقابة الخارجية).

وهذه الأصولُ ليست قائمةً طارئةً على هذا المقال، بل هي الخيوطُ التي ظلّت المقالاتُ السابقة تُفكّكها من زوايا متعدّدة: في عدالة القرار، وتعارُض المصالح، واللجان، واللائحة، والرقابة.

هذه الأصولُ السّت هي النواةُ الحوكمية الجامعة. من لا يحفظها، لا يقال إنه بنى حوكمةً قطاعيةً مختلفة، بل إنه خرج من الحوكمة كلِّها.

ولا يعني ثباتُ هذه الأصول أنّ مضمونها التفصيلي واحدٌ في كلِّ قطاع؛ فالأصلُ ثابتٌ من حيث ضرورتُه، ويتخصّص من حيث مقتضاه، ويتغيّر من حيث أداتُه. فكلُّ حوكمةٍ تحتاج مساءلة، لكنّ مقتضى المساءلة في الجهة الحكومية غيرُ مقتضاها في الشركة العائلية أو الجامعة. وبين الأصل الجامع والأداة التفصيلية يقع سؤالٌ وسيط: ما الذي يقتضيه الأصلُ في هذا القطاع؟

ثالثًا: ما الذي يختلف بين القطاعات؟

ومن أبرز المتغيّرات التي تختلف من قطاعٍ إلى آخر ستة، وكلُّ متغيّرٍ ينعكس على صورة الحوكمة لا أصلها:

الأول: هويةُ المالك أو من يقوم مقامه. وهي تُحدّد إلى من تتّجه المساءلة. تختلف بين مساهمين، وملكيةٍ عامة، ووقفٍ، وعائلة، ومؤسّسين ومانحين.

الثاني: طبيعةُ الهدف. وهي تُحدّد معيار النجاح والفشل. ربحٌ عام، أو رسالةٌ اجتماعية، أو خدمةٌ عامة، أو ربحُ استمراريةٍ وقيمٍ عائلية.

الثالث: أصحابُ المصلحة. وهويّتهم تُحدّد من ينبغي حمايته في القرار. متنوّعةٌ بحسب القطاع تنوّعًا جوهريًّا.

الرابع: الإطارُ التشريعي. كلُّ قطاعٍ تحكمه أنظمةٌ مختلفة، وكلُّ نظامٍ يفرض هيكلًا ومتطلباتِ إفصاحٍ وأدواتٍ رقابيةً تلائمه.

الخامس: أُفُقُ الزمن. شركةٌ مُدرجة تُقيَّم فصليًّا، فأُفُق قرارها قصير. شركةٌ عائلية تُقيَّم عبر الأجيال. جامعةٌ تُقيَّم عبر العقود. وأُفُقُ الزمن يُحدّد كيف يُقيَّم القرار، وكيف تُبنى مؤشّراتُ الأداء.

السادس: ثقافةُ المؤسسة. عقلانيةٌ أدائية، أو ثقةٌ وقيمٌ موروثة، أو حريةٌ فكرية، أو انضباطٌ إجرائي. والثقافةُ تُحدّد كيف يُمارَس القرار فعليًّا، لا كيف يُكتب على الورق.

رابعًا: قاعدةُ الفرز — ما الذي ينتقل وما الذي لا ينتقل؟

من الأصول الجامعة والمتغيّرات السّت، تخرج القاعدةُ الحاكمة للتصميم الحوكمي عبر القطاعات:

ينتقل بين القطاعات: الأصولُ السّت الجامعة كاملةً دون استثناء؛ والمنطقُ الحوكمي العام — فصلُ القرار عن التنفيذ، استقلالُ الفحص عن المفحوص، توزيعُ الصلاحيات بحيث لا تُجمَع في يدٍ واحدة؛ والمفاهيمُ الحوكمية المُحكَمة — تعارُض المصالح، عدالة القرار، الإفصاح، الرقابة بأوجهها.

ولا ينتقل بين القطاعات: الأدواتُ التفصيلية — هيكلُ اللجان، صياغةُ الإفصاحات، نماذجُ التقارير، سلاسلُ الموافقات؛ ومعاييرُ الأداء — فمؤشّراتُ الربحية في القطاع الخاص لا تنطبق على القطاع الحكومي، ومؤشّراتُ الإنتاج العلمي في الجامعة لا تنطبق على الشركة العائلية؛ وأدواتُ الملكية والتمويل — فحقوقُ المساهمين في الشركة المُدرجة تختلف جوهريًّا عن علاقة المانحين بالمؤسسة الرسالية، وكلاهما يختلف عن دور الملكية العامة في الجهة الحكومية؛ وثقافةُ الحوكمة وتقاليدُ التطبيق.

والقاعدةُ المختصرة: ما يخدم الأصلَ الحوكمي ينتقل، وما يخدم القطاع الأول دون الثاني لا ينتقل. ومن أتقن هذه القاعدة، أمكنه أن يفحص أيَّ نقلٍ من قطاعٍ إلى قطاع بسؤالٍ واحد: هل ما أنقله يخدم أصلًا جامِعًا، أم يخدم خصوصيةً قطاعيةً لن تنتقل معه؟

وليست هذه الشواهدُ تدريبًا على تصميم حوكمة كلِّ قطاع، بل اختبارٌ لقاعدة الفرق بين الأصل الجامع والصورة القطاعية.

خامسًا: شاهدٌ من الجهة الحكومية

تختلف الجهةُ الحكومية عن الشركة في أمورٍ جوهرية. في كثيرٍ من الجهات الحكومية، لا يكون المجلسُ شبيهًا بمجلس الشركة من حيث الملكية والمساءلة، بل يكون مجلسًا أو لجنةً أو سلطةً إشرافيةً مرتبطةً بتكليفٍ عامٍّ أو سلطةٍ أعلى. والمساءلةُ لا تتّجه إلى مساهمين، بل إلى السلطة العليا والمجتمع. والقيادةُ في الغالب تُعيَّن، لا تُختار من السوق. والأداءُ لا يُقاس بالربح، بل بمؤشّرات تنفيذ السياسات العامة وجودة الخدمة.

ومن يستنسخ نموذجَ الشركة لجهةٍ حكومية، يبني هيكلًا يعمل في الشكل ولا يعمل في الجوهر.

الأصلُ الذي يبقى: توزيعُ السلطة، المساءلة، عدالةُ القرار، حمايةُ المواطن والمستفيد العام بوصفهما من أبرز أصحاب المصلحة، الإفصاحُ بقدر ما يكفل المساءلة، الرقابةُ بأوجهها.

والصورةُ التي تتغيّر: المجلس، الإفصاح، أدواتُ قياس الأداء، آليةُ تعيين القيادة.

سادسًا: شاهدٌ من الجامعة

في الجامعة قيمةٌ جوهرية لا تُمَسّ: الاستقلالُ الأكاديمي. فالقرارُ العلمي لا يُؤخَذ من خارج الحقل المعرفي، ومن يتدخّل في القرار الأكاديمي من المجلس يخرج عن وظيفته. وحدودُ سلطة المجلس هنا تتوقّف عند بوّابة القرار الأكاديمي، فيُبنى الهيكلُ بحيث يُشرف ولا يتدخّل. وأُفُقُ التقييم طويلٌ جدًّا، فأدواتُ الأداء قصيرة المدى لا تكفي لقياس النجاح. وأصحابُ المصلحة متنوّعون (طلّاب، أكاديميون، مجتمع، خرّيجون).

الأصلُ الذي يبقى: توزيعُ السلطة، المساءلة، عدالةُ القرار، حمايةُ أصحاب المصلحة.

والصورةُ التي تتغيّر: حدودُ سلطة المجلس، مؤشّراتُ الأداء، أُفُقُ التقييم.

سابعًا: شاهدٌ من الشركة العائلية

تتداخل في الشركة العائلية ثلاثُ دوائر: العائلة، الملكية، الإدارة. كلُّ دائرةٍ لها منطقها، وحدودها، وأولوياتها. والانتقالُ بين الأجيال قضيةٌ حوكميةٌ مركزية لا توجد في الشركة المُدرجة بنفس الحِدّة. والقيمُ العائلية تتدخّل في القرار التجاري بأشكالٍ ينبغي ضبطها.

ولذلك تستحضر الشركةُ العائلية أدواتٍ حوكميةً إضافية: ميثاقَ العائلة بجانب وثيقة الحوكمة، مجلسَ العائلة بجانب مجلس الإدارة، سياسةَ الانضمام والخروج للأفراد العائليين، خطةَ الانتقال بين الأجيال.

الأصلُ الذي يبقى: ضبطُ السلطة، المساءلة، عدالةُ القرار بين الشركاء العائليين وغير العائليين، منعُ تعارُض المصالح.

والصورةُ التي تتغيّر: استدعاءُ أدواتٍ تفصل بين دوائر العائلة والملكية والإدارة، وأُفقٌ زمنيٌّ يمتدّ بين الأجيال لا الفصول.

ثامنًا: مخاطرُ الخلط بين الأصل والصورة — مشهدٌ كاشف

ثلاثُ صورٍ شائعة لخلط الأصل بالصورة، كلُّ صورةٍ منها تُنتج بناءً معطوبًا:

الأولى — الاستنساخ الحرفي: أن يُنقَل نموذجُ حوكمةٍ من قطاعٍ إلى قطاعٍ لا يُشبهه، بصورته التفصيلية لا بأصله الجامع. وهذا اختزالٌ للحوكمة في صورةٍ لا تلائم القطاع.

الثانية — الإنكار التام: ومن يفترض أنّ قطاعه مختلفٌ بالكلية فيُلغي وثائق الحوكمة الأساسية ويكتفي بميثاقٍ رسالي. تضيع عنده الأصولُ كلُّها، وتُفتح أبوابُ التجاوز التي تُفترَض الحوكمةُ لسدّها.

الثالثة — التهجين العشوائي: ومن يأخذ من كلِّ قطاعٍ شيئًا دون منهج، يُنشئ هيكلًا يجمع متناقضاتٍ لا يتّسق، ولا يلائم قطاعًا، ولا يخدم أصلًا.

وأجلى هذه الصور الثلاث، وأكثرها شيوعًا، أولاها — الاستنساخ الحرفي — ولها مشهدٌ من الواقع يكشفها: مؤسسةٌ جديدة في القطاع غير الربحي، تستعين بمكتبٍ استشاري لبناء منظومةٍ حوكمية. المكتبُ يأتيها بنموذج «حوكمةٍ جاهز» نَسخه من شركةٍ مساهمةٍ كبيرة. النتيجة: مجلسُ إدارةٍ على نمط الشركات بلجان مراجعةٍ وترشيحاتٍ ومكافآتٍ ومخاطر؛ ووثيقةُ حوكمةٍ تتحدّث عن «حقوق المساهمين» في مؤسسةٍ لا مساهمين فيها؛ ومؤشّراتُ أداءٍ تقيس الربحية والعائد على الملكية في مؤسسةٍ هدفها رسالي؛ وسياسةُ إفصاحٍ على نمط الأسواق المالية المُنظَّمة لمؤسسةٍ لا تتعامل مع سوق.

ومع أنّ كلَّ هذه العناصر «حوكمةٌ سليمة» في موضعها الأصلي، فإنّها هنا شكلٌ بلا موضع. المؤسسةُ تملك وثيقة، لا حوكمة. والمكتبُ الاستشاري قدّم نسخًا، لا تصميمًا.

والنجاةُ من هذه الصور تكون بالتفريق المنهجي بين الأصل والصورة، وبتطبيق قاعدة الفرز قبل كلِّ نقل، وبسؤال نفسك قبل كلِّ أداةٍ تُدرجها: هل تخدم أصلًا جامِعًا، أم تنقل خصوصيةَ قطاعٍ لا تلائم قطاعك؟

تاسعًا: المُصمِّمُ الحوكمي الراشد

نصل إلى النموذج المنشود. مُصمِّمُ الحوكمة الراشد ليس ناقلًا لنموذجٍ جاهز، ولا مبتدِعًا من الصفر؛ بل هو الذي يفهم الأصولَ الجامعة فهمًا متينًا فلا تختلط عليه بصُوَرٍ قطاعية، ويُحسن قراءةَ طبيعة المؤسسة التي يبني لها — قطاعها ومالكها وهدفها وأصحاب مصلحتها وإطارها التشريعي وأُفُق زمنها وثقافتها — فيُميّز ما ينتقل من المرجعية الجاهزة ممّا لا ينتقل، ثمّ يبتكر صورةً تخدم الأصلَ في سياقها. يعرف أنّ الحوكمة صنعةٌ سياقية، لا قالبٌ جاهزٌ يُملأ.

والمؤسساتُ الراشدة لا تطلب من مُصمِّمها نسخةً جاهزة، بل تطلب منه قراءةً لطبيعتها، ثمّ بناءً يلائمها.

خاتمة — الأصل واحد، والصورة كثيرة

الحوكمةُ في أصولها واحدة، وفي صُوَرها متنوّعة. ومن لا يُميّز بين الأصل والصورة، إمّا يستنسخ فيفقد الملاءمة، أو يُنكر فيفقد المرجعية، أو يُهجّن عشوائيًّا فيفقد الاتساق.

والقاعدةُ الجامعة: ما يخدم الأصلَ ينتقل، وما يخدم خصوصيةَ قطاعٍ دون آخر لا ينتقل. ومُصمِّمُ الحوكمة الراشد لا يسأل أولًا «كيف بنى الآخرون حوكمتهم؟»، بل يسأل «ما طبيعةُ هذه المؤسسة؟» — ثمّ يبني صورةً تخدم أصولَ الحوكمة في سياقها الخاص.

والحوكمةُ لا تُنقَل بين القطاعات، بل تُصمَّم لها. ومن نقل صورةً دون أصلها، بنى هيكلًا بلا حوكمة. ومن حفظ الأصلَ وألاءم الصورة، بنى حوكمةً لها موضع.

وإذا كانت الحوكمةُ تختلف صورتُها بحسب القطاع، ينشأ سؤالٌ أدقّ: كيف نبني إطارًا حوكميًّا لقطاعٍ لم تنضج فيه نماذجُه بعد؟ هل ننقل من قطاعٍ ناضج؟ هل نبتدع من الصفر؟ هل نستفيد من تجارب القطاعات الأخرى دون استنساخ؟ ذلك ما تفتحه القراءةُ التالية.