في كثيرٍ من الجهات تنمو السياساتُ واللوائحُ بالتراكم لا بالتصميم. تظهر مشكلةٌ فتُكتب لها وثيقةٌ تحت ضغط الحاجة، فيتولّاها الأقربُ إلى المشكلة لا الأقدرُ على هندستها، وتُحفظ حيث اتُّفق. وبعد سنواتٍ يتجمّع رصيدٌ من الوثائق المتداخلة، بعضها يكرّر بعضًا، وبعضها يناقضه، ولا تكاد وثيقةٌ تعلم بوجود أختها. والحوكمةُ هنا لاحقةٌ لا سابقة: تُوثّق القرار بعد أن اتُّخذ، ولا تُشارك في صناعته.

والمقصودُ بحوكمة السياسات واللوائح ليس إدارةَ أرشيفٍ من الوثائق، بل هندسةَ المسار الذي يُنتجها قبل نشوء الحاجة إليها. والفرقُ بين المعنيين هو الفرقُ بين جهةٍ تسأل «هل لدينا سياسةٌ في هذا الموضوع؟» وجهةٍ تسأل «كيف تُولَد أيُّ سياسةٍ عندنا؟ ومن يقرّر أنها تخدم الاستراتيجية؟ ومن يملكها؟ ومتى تُراجَع؟ ومن يتولّى إلغاءها حين تنتهي حاجتها؟».

السؤالُ الأوّل يبحث عن وثيقة، والثاني يبني نظامًا.

والمقصودُ باللوائح هنا معناها التنظيميُّ الداخليُّ في الجهات، لا خصوصُ اللوائح التنفيذية أو التنظيمية الصادرة بالأداة النظامية العامة؛ وإن ظلَّ منطقُ ضبط الهرمية والمسار مشتركًا بينهما من حيث الأصل.

١ · الهرمية بوصفها بنيةَ قرار

تبدأ الهندسةُ من التمييز بين مستويات الوثيقة. السياسةُ تجيب عن «لماذا» وتضع الإطارَ والحدود، واللائحةُ تجيب عن «ماذا يُلزَم به» تفصيلًا، والإجراءُ يجيب عن «كيف يُنفَّذ». هذا التدرّجُ ليس ترتيبًا شكليًّا، بل توزيعٌ للقرار على مستوياته الصحيحة: قرارُ الإطار غيرُ قرار الإلزام التفصيلي، وكلاهما غيرُ قرار خطوة التنفيذ. وحين تختلط المستوياتُ — فتُحشَر تفاصيلُ الإجراء في السياسة، أو يُرفَع حكمٌ تشغيليٌّ إلى مرتبة المبدأ — يكون الخللُ في موضع القرار نفسه قبل أن يكون في الصياغة.

ولذلك فإنَّ أنفعَ ما تفعله الحوكمةُ بالهرمية قاعدتان: ألّا تخالف الوثيقةُ الأدنى ما هو أعلى منها، وألّا تكرّر أحكامه. والتكرارُ ليس إطنابًا بريئًا؛ فهو يُنشئ مصدرين للقاعدة الواحدة، فإذا عُدِّل أحدُهما دون الآخر وُلِد التعارضُ من حيث أُريد له الوضوح.

٢ · كل انتقالٍ قرار، ولكل قرار صاحبٌ ومعيار

جوهرُ الفكرة أنَّ دورةَ حياة الوثيقة ليست خطًّا متصلًا، بل سلسلةَ بوّابات، وكلُّ بوّابةٍ قرارٌ قائمٌ بذاته: قرارُ المبادرة، وقرارُ إجازة المسودة، وقرارُ الاعتماد، وقرارُ المراجعة الدورية، وقرارُ الإلغاء. والحوكمةُ اللاحقة تترك هذه الانتقالات لاجتهاد اللحظة؛ أمّا الحوكمةُ الاستباقية فتحدّد لكلِّ بوّابةٍ من يملك القرار فيها، وبأيِّ معيارٍ يُتَّخذ.

ومن أهمِّ هذه المعايير الاصطفافُ الاستراتيجي. فالوثيقةُ التي لا يمكن ردُّها إلى هدفٍ استراتيجيٍّ قائم — أو إلى متطلَّبٍ نظاميٍّ مُلزِم — ليست وثيقةً ناقصة، بل وثيقةٌ لا ينبغي أن تُولَد. فمصدرُ شرعية الميلاد مزدوجٌ: إمّا اصطفافٌ مع التوجه الاستراتيجي، وإمّا التزامٌ بنظامٍ أعلى أو متطلَّبٍ رقابيٍّ يفرض الوثيقة ولو لم تخدم هدفًا استراتيجيًّا مباشرًا. وحين يُجعَل هذا الفحصُ شرطًا لعبور البوّابة الأولى، يصبح دخولُ الوثيقة إلى المنظومة مشروطًا بثبوت حاجتها وسندها وموقعها؛ فيُمنَع الضجيجُ التنظيميُّ من باب المنظومة قبل أن يستقرَّ فيها.

فلا تنتظر الجهةُ الحالةَ لتقرّر من يبتُّ فيها وكيف، بل تكون قد قرّرت ذلك سلفًا، فلا تجد الحالةُ حين تقع إلا مسارًا مرسومًا يستوعبها.

وليس المقصودُ من ذلك إطالةَ مسار الوثيقة أو إثقالها بالموافقات، بل منعَ أن تولد الوثيقةُ من غير صاحب، أو تسري من غير سجل، أو تستمرَّ بعد زوال موجبها.

٣ · ما الذي يَفسد حين تَعيب هذه الحوكمة

تتكرّر أربعةُ أعطابٍ بانتظام: الازدواجُ، إذ تتولّى وثيقتان المجالَ نفسه فلا يُدرى أيُّهما المرجع؛ والتعارضُ، إذ تتصادم القاعدتان فيُحال المخاطَبُ على اجتهاد المطبِّق؛ والتكرارُ، إذ تعيد الوثيقةُ الأدنى ما في الأعلى فتتعدّد مصادرُ التعديل؛ والانحرافُ، إذ تبقى وثيقةٌ ساريةٌ بعد أن تغيّرت الاستراتيجيةُ التي وُلِدت لخدمتها، لأن لا أحدَ كُلِّف بمراجعتها. وكلُّها أعطابٌ لا تُعالَج بصياغةٍ أدقَّ للوثيقة الواحدة، بل بحوكمةٍ تضبط المنظومة كلَّها.

٤ · الوظيفة التي تحكم سائر الوثائق

من هنا تأتي قيمةُ الوثيقة الحاكمة — السياسةُ على السياسات. هي أعلى الوثائق أثرًا لا لأنها أطولُها أو أكثرُها تفصيلًا، بل لأنها الوحيدةُ التي تحكم إنتاجَ غيرها: تحدّد الهرمية، وترسم البوّابات، وتُسنِد القرار في كلِّ بوّابةٍ إلى صاحبه، وتفرض المراجعةَ الدورية، وتنشئ السجلَّ الذي يجعل المنظومة مرئيّةً لذاتها. وبها يتحوّل العملُ التنظيميُّ من تراكمٍ يُدار إلى مسارٍ يُهندَس.

ولا تكتمل هذه الحوكمةُ بالمراجعة الدورية وحدها، بل بمراجعة الأثر: هل حقّقت الوثيقةُ الغرضَ الذي وُضِعت له؟ وهل أزالت التعارضَ أم أنشأت تعارضًا جديدًا؟ وهل خفّفت القرارَ أم قيّدته بغير حاجة؟ فالأثرُ هو الذي يكشف جودةَ الوثيقة بعد نفاذها.

والجهةُ التي تُحسن هندسةَ كيفية صناعة قواعدها قلّما تحتاج إلى التنازع في كيفية تطبيقها؛ فهي تمنع الإشكالَ في بنيته قبل أن يتكوّن، لا تعالجه بعد أن يقع. وتلك هي العدالةُ الوقائية في صورتها الإدارية.