«لم تضطرب الحوكمة لأنّ الناس أكثروا من استعمالها، بل لأنهم فقدوا التمييز بين أصلها وامتدادها.»

حين تَقرأ الأدبياتِ الأولى لحوكمة الشركات، تَلتقي مفهوماً شديدَ التركيز: سؤالاً عن السلطة، وعن العلاقة بين الملكية والإدارة، وعن ضبط القرار ومساءلته، وعن الشفافية والرَّقابة. ثم تَنقل بصرك إلى أدبيات اليوم، فتَجد الكلمةَ نفسها وقد اتّسعت حتى صارت تَستوعب أصحابَ المصلحة، وأخلاقياتِ الأعمال، والمسؤوليةَ الاجتماعية، والاستدامة، والبيئة، ومعاييرَ الاستدامة البيئية والاجتماعية والحوكمية (ESG)، وحقوقَ الإنسان، وأطراً دوليةً متعدّدة. لفظٌ واحد، وبين استعماليه مسافةٌ تكاد لا تُقطع.

كانت القراءةُ السابقة قد أجابت عن سؤال: ما الحوكمة؟ فانتهت إلى أنها بنيةٌ عُليا تَضبط السلطةَ والعلاقةَ والقرارَ والمساءلة. لكنّ الجوابَ وحده لا يَكفي؛ فثَمّة سؤالٌ أشدُّ إلحاحاً يَنتظر: كيف اتّسعت هذه النواةُ الدقيقة حتى ضاعت حدودُها، واختلط أصلُها بامتدادها؟

وقبل المُضيّ، تنبيهٌ يَضبط المجال: المقصودُ بالنواة الفنية هنا هو النواةُ التي تَشكّلت في أدبيات حوكمة الشركات الحديثة، لا الحوكمةُ بمعناها السياسي أو التنموي الأوسع؛ فالكلامُ منصبٌّ على المفهوم الفنّي كما وُلد ونَضج، لا على كلّ ما يُسمّى حوكمةً في حقول السياسة والتنمية.

وليست أزمةُ الحوكمة اليوم في كثرة حضورها — كما تبيّن من قبل — بل في اتّساع معناها حتى غاب التمييزُ بين أصله وامتداده. والمشكلةُ لا تَبدأ من التوسّع في ذاته؛ فالتوسّعُ أمرٌ واقع، وكثيرٌ منه مشروع. إنما تَبدأ من أمرين متقابلين: أن تُعامَل الامتداداتُ اللاحقة كأنها جوهرُ الحوكمة نفسه، أو أن تُختزل الحوكمةُ في نواتها الأولى وحدها كأنّ شيئاً لم يَتغيّر في العالم. وبين هذين الطرفين يَضيع المفهوم، ويَضطرب الباحث، ويَتشوّش الممارس. فالسؤالُ الأدقّ ليس: هل اتّسعت الحوكمة؟ بل: كيف بدأ هذا التوسّع؟ وأين موضعُه الصحيح من المفهوم؟ ومتى يكون إثراءً، ومتى يَنقلب خلطاً؟

أولًا: من أين بدأت الحوكمة الحديثة؟

إذا أردنا أن نَرُدّ حوكمةَ الشركات الحديثة إلى نواتها الأولى، فالطريقُ الطبيعي يَبدأ من مشكلةٍ واحدة: الفصلِ بين الملكية والإدارة. فحين تَناثرت الملكيةُ في الشركات الكبرى، وصار المالكُ لا يُدير والمديرُ لا يَملك، بَرز السؤالُ الجوهري: كيف نَضمن أنّ من يُدير الشركةَ يَعمل لمصلحة من يَملكها؟ وكيف نَمنع أن تَنفلت السلطةُ التنفيذية من المساءلة؟

من هذا السؤال وُلد حقلٌ بأكمله. فمنذ تنبّهت الأدبياتُ الحديثة إلى الفصل بين الملكية والإدارة، ثم صاغت نظريةُ الوكالة إشكالَه صياغةً أعمق، جاء تقريرُ كادبري البريطاني سنة 1992 ليَمنح المفهومَ صياغتَه التنظيمية الأوضحَ والأكثرَ تأثيراً: «النظامُ الذي تُوجَّه به الشركاتُ وتُراقَب»؛ ثم استقّرت بعده أطرٌ مرجعيةٌ دولية رسّخت هذه النواة. وفي هذه المحطّات جميعاً سؤالٌ واحدٌ يَتكرّر في صور: كيف تُضبط السلطةُ وتُساءل؟

ولهذا كانت النواةُ الفنية للحوكمة محدودةً واضحة: ضبطُ العلاقة بين السلطة والمسؤولية، وتوزيعُ الصلاحيات توزيعاً واضحاً محدوداً، ومساءلةُ من يَملك القرار، وحمايةُ حقوق المساهمين والأطراف الرئيسية، والشفافيةُ بالإفصاح الرشيد، والرَّقابةُ العُليا على مستوى القيادة المؤسسية. فالحوكمةُ في أصلها الفنّي ليست خطاباً أخلاقياً عاماً، ولا وعاءً يَستوعب كلَّ مطلوبات العصر، بل بنيةٌ مؤسسيةٌ عُليا لضبط السلطة والعلاقات ومسارات القرار والمساءلة. وذلك التركيزُ هو ما حَفظ للمفهوم دقّتَه في طوره الأوّل.

ثانيًا: ثلاث موجاتٍ وسّعت المفهوم

ثم جاءت موجاتٌ متتالية وسّعت هذه النواة، كلٌّ في اتجاه، ولكلٍّ ما حرّكها، وما أضافته، وموضعُ الالتباس الذي تَسلّل منها.

الموجة الأولى وسّعت دائرةَ الاعتبار. فقد ترّكزت النواةُ على علاقةٍ واحدة: المالكِ والمدير. لكنّ الواقعَ كَشف أنّ أثرَ القرار يَتجاوزها إلى العاملين والعملاء والموردين والدائنين والمجتمع بدرجاتٍ متفاوتة. فلم يَعُد السؤال: كيف نَضبط علاقةَ المالك بالمدير؟ بل صار: من يَنبغي أن يُؤخَذ في الحسبان عند إدارة المؤسسة؟ وكان ذلك تصحيحاً مهمّاً لاختزال المؤسسة في المساهم وحده. غير أنّ الالتباسَ بدأ حين ضاع الفرقُ بين الاعتبار والسلطة: أيُراعى صاحبُ المصلحة في القرار، أم يُمنح موقعاً مؤثّراً في بنيته؟ فإذا تَحوّل كلُّ طرفٍ متأثّرٍ — بأيّ درجة — إلى «صاحب مصلحة» يُغيّر جوهرَ الحوكمة، انقلب التوسّعُ المشروع تمييعاً. والموضعُ الصحيح أنّ أصحابَ المصلحة نطاقُ اعتبارٍ امتدّ إليه النظرُ الحوكمي، لا بديلٌ عن النواة المتعلّقة ببنية السلطة والقرار.

والموجة الثانية وسّعت مصدرَ الضبط. فقد انكشف أنّ القواعدَ وحدها لا تَمنع الانحراف؛ إذ قد تَلتزم المؤسسةُ بالإجراء الظاهر ثم تَستغّل فراغاتِ القاعدة أو ضعفَ الثقافة الداخلية. فأُدخلت القيمُ والثقافةُ المؤسسية ومدوّناتُ السلوك وخطوطُ الإبلاغ إلى مجال الضبط، ولم تَعُد الحوكمةُ رقابةً خارجيةً فحسب، بل بيئةً تُنشئ الانضباطَ من الداخل. لكنّ الالتباسَ هنا أعمق؛ إذ ذاب الفرقُ بين البنية والروح: أهي الأخلاقُ مرجعيةٌ تُغذّي الحوكمة، أم هي الحوكمةُ ذاتها؟ ومن هنا ظَهر اختزالُ الحوكمة في خطاب النزاهة والشفافية وحده. والموضعُ الصحيح أنّ الأخلاقَ مرجعيةٌ عُليا لبعض المبادئ، ومضمونٌ لبعض الممارسات، ونتيجةٌ مأمولةٌ من الحوكمة الرشيدة — روحٌ ونتيجة، لا تعريفٌ ولا بنية. فالخطأ ليس في إدخال الأخلاق في الحوكمة، بل في اختزال الحوكمة فيها؛ والأخلاقُ تُغذّيها ولا تَستبدلها.

والموجة الثالثة وسّعت الأفقَ الزمني. فقد كَشف قِصرُ النظر المالي عن كلفته؛ إذ تَبدو بعضُ القرارات رابحةً في المدى القريب، وهي تُنتج مخاطرَ بيئيةً واجتماعيةً وتنظيميةً بعيدةَ المدى. فأَدخلت هذه الموجةُ الأثرَ البعيد، والإفصاحَ غيرَ المالي، والمخاطرَ المناخية والاجتماعية في ميزان القرار، وأعادت ربطَ الحوكمة بالقيمة المستدامة. لكنّ الالتباسَ بَلغ هنا أعمقَ مستوياته: فمعاييرُ الاستدامة تَضع الحوكمةَ أحدَ محاورها الثلاثة، بينما تُستعمل الحوكمةُ في أدبياتٍ أخرى إطاراً يَضبط هذه المعاييرَ والإفصاح. فلم يَختلط الفرعُ بالأصل فحسب، بل اضطرب موقعُ المفهوم نفسه: أهو المُحيطُ أم أحدُ المُحاط؟ والموضعُ الصحيح أنّ الاستدامةَ والبيئة امتداداتٌ معاصرة ونطاقاتُ اعتبار، لا تعريفٌ للحوكمة في أصلها.

فهذه ثلاثُ توسّعاتٍ في ثلاثة اتجاهات، وثلاثةُ مستويات من الالتباس: التباسٌ في الأطراف، ثم في الطبقات، ثم في موقع المفهوم نفسه. ومن تراكمها وُلد الخلطُ الذي يَنبغي تفكيكه.

ثالثًا: أين وقع الخلط؟ في غياب التمييز بين الطبقات

لم يَقع الخلطُ لأنّ هذه الامتداداتِ باطلةٌ في ذاتها، بل لأنّ كثيراً من الأدبيات لم تَعُد تُمّيز بين طبقاتٍ مختلفةٍ داخل المفهوم تَختلف رتبُها وإن تَجاورت. وضبطُ هذه الطبقات هو مفتاحُ الخروج من الخلط.

فالنواةُ الفنية الأصلية هي الأساس: السلطة، والقرار، والمساءلة، والعلاقة. والمبادئُ الحوكمية الموِّجهة هي البوصلةُ التي تُحدّد الاتجاه. والأدواتُ والآليات التنفيذية وسائلُ تُترجم المبادئ إلى ضبطٍ عملي. ونطاقاتُ الاعتبار اللاحقة توسّعاتٌ جاءت بعد الأصل، كأصحاب المصلحة والبيئة ومعايير الاستدامة. والنتائجُ والثمرات هي الأثرُ النهائي للمنظومة، لا البنيةُ نفسها.

وحين تَغيب هذه الفروق، يَقع ما لا ينبغي: تُسمّى القيمةُ حوكمةً وهي المبدأُ الموِّجه لا الأداة، وتُسمّى الأداةُ حوكمةً وهي وسيلةٌ لا غاية، وتُسمّى النتيجةُ حوكمةً وهي الثمرةُ لا البنية، وتُسمّى الامتداداتُ حوكمةً خالصةً وهي إنما جاءت بعد الأصل. فكلُّ خلطٍ من هذه يَرفع طبقةً إلى غير منزلتها، فيَختّل البناءُ كلُّه.

ومن أوضح أمثلته أن يُختزل مبدأُ الاستقلال — وهو من أبرز المبادئ المركزية — في مجرّد وجود أعضاء مستقّلين في المجلس، من غير نظرٍ إلى أدوات تفعيله، ووظيفتِه في حماية القرار من التحيّز، والنتائجِ التي يُثمرها داخل المؤسسة؛ وذلك التمييزُ بين المبدأ وأدواته ووظيفته ونتيجته بابٌ مستقّل، لا يَتّسع له هذا المقام. فأزمةُ الحوكمة اليوم ليست في كثرة معانيها فحسب، بل في غياب التمييز بين طبقاتها.

رابعًا: أين أسهمت المنظمات الدولية في تعقيد المفهوم؟

أسهمت المنظماتُ الدولية في توسيع الحوكمة من أكثرَ من باب، ويُمكن — في الجملة — تمييزُ أربعة أنماطٍ من تدخّلها، كلٌّ يَحمل منظورَه الخاّص ويَخدم غايتَه. فالنمطُ التنظيمي يُرّكز على المجلس والحقوق والإفصاح والمساءلة. والنمطُ التنموي يَربط الحوكمةَ بالإصلاح المؤسسي ومكافحة الفساد. والنمطُ الاستثماري السوقي يَدمجها في معايير السوق وقرارات المستثمرين. والنمطُ المعياري القيمي يَحملها في اتجاه الاستدامة والبيئة والمسؤولية الاجتماعية.

وهذه الأنماطُ جميعاً أسهمت في تشكيل الخطاب المعاصر، لكنها جعلت الحوكمةَ مفهوماً متعّددَ الوجوه إلى حدٍّ يُلزم الباحثَ أن يَسأل عند كّل تعريف: أهذا تعريفٌ للحوكمة في ذاتها، أم تعريفٌ لها كما يَحتاجها هذا الإطارُ أو القطاعُ أو المستهدَف؟ وهو السؤالُ نفسه الذي مرّ بنا في القراءة الأولى: الفرقُ بين تعريفٍ ماهويٍّ يَطلب أصلَ المفهوم، وتعريفٍ وظيفيٍّ يَصف ما يَفعله المفهوم في خدمة غايةٍ بعينها. وكثيرٌ من هذه الامتدادات أقربُ إلى تعريفاتٍ وظيفيةٍ توسّعت، لا إلى تعريفاتٍ ماهويةٍ جديدة.

خامسًا: الموقف المتزن — تمييزٌ لا إقصاء

والموقفُ العلمي المتزن ليس أن نَرفض كلَّ الامتدادات تمسّكاً بالأصل، ولا أن نَقبل كلَّ التوسّعات باسم التطّور؛ بل أن نُمّيز بين مستويين، ونُبقي لكّل طبقةٍ موضعَها دون خلطٍ أو إقصاء.

المستوى الأوّل النواةُ الأصلية: ضبطُ السلطة، وتوزيعُ الصلاحيات، وتنظيمُ العلاقة بين الأطراف، وحمايةُ الحقوق، والشفافيةُ والإفصاح، والمساءلةُ والرَّقابة والإشراف. والمستوى الثاني الامتداداتُ اللاحقة: أصحابُ المصلحة، والأخلاقُ المؤسسية، والمسؤوليةُ الاجتماعية، والاستدامةُ والبيئة ومعايير الاستدامة، وسائرُ الأطر المعيارية الحديثة. وهذه الامتداداتُ قد تكون مشروعةً نافعة، لكنها امتداداتٌ لا تعريفاتٌ أصلية. والباحثُ الجاّد لا يُسّوي بينهما، بل يُبقي لكّل طبقةٍ موضعَها، ويَتعامل مع كلٍّ منها بالأداة المناسبة لها.

خاتمة

لم تَضطرب الحوكمةُ لأنّ الناس أكثروا من استعمالها، بل لأنهم كثيراً ما فَقدوا التمييزَ بين أصلها وامتدادها. فمنهم من شّدها إلى الخلف حتى حَبسها في المجلس والإفصاح والرَّقابة وحدها، فأفقرها؛ ومنهم من دَفعها إلى الأمام حتى أذابها في الأخلاق والاستدامة وأصحاب المصلحة ومعايير الاستدامة من غير فرز، فمّيعها. وبين الشِّد والدفع يَضيع المفهوم. والموقفُ الأقوم أن نَرُدّها أوّلاً إلى نواتها الفنية — السلطة والعلاقة والقرار والمساءلة — ثم نَعترف بامتداداتها المعاصرة من غير أن نَخلط بين الأصل والفرع، ولا بين الجوهر وما يُضاف إليه. فالحوكمةُ ليست قيمةً مجرّدة، ولا أداةً منفردة، ولا نتيجةً مأمولة، بل بنيةٌ مؤسسيةٌ عُليا لضبط السلطة والعلاقة والقرار والمساءلة.

فإذا فُهمت على هذا الوجه، أمكن بعد ذلك أن نَفهم كلَّ ما اتّصل بها من تطّورٍ حديثٍ فهماً أهدأ وأدقَّ وأعدل: تَبدأ دائماً من السؤال الفني الأصلي، وتَعترف بالامتداد دون أن يُلغي الأصلَ أو يَحّل محلَّه، وتُمّيز ولا تُقصي، حتى تَستقّر كلُّ طبقةٍ في موضعها، ويَعرف الباحثُ أين يَقف في كّل مقام.

على أنّ رَّد المفهوم إلى نواته شيءٌ، وبناءَ هذه النواة في مؤسسةٍ قائمةٍ شيءٌ آخر. فإذا استقّر أنّ للحوكمة أصلاً فنياً وامتداداتٍ تُرّد إلى مواضعها، بقي السؤالُ العملي: كيف يُصمَّم الإطارُ الحوكمي ويُفعَّل داخل منشأةٍ لها واقعُها وطبقاتُها؟ ومن هنا تُفتح القراءةُ التالية: من تحرير المفهوم إلى بناء الإطار.