«اللجنة لا تكون حوكمية بمجرد إنشائها، بل حين تؤدي العلة التي أنشئت من أجلها.»

اللجنة من أكثر الأدوات حضورا في البناء الحوكمي. تذكر في كل لائحة، وتشكل في كل مؤسسة، وتحال إليها قرارات كثيرة. ومع ذلك، يكثر الممارسون من الشكوى من اللجان: تنعقد دون ثمرة، تستهلك الوقت دون فائدة، تحجب القرار بدل أن تضبطه. ويزداد الالتباس حين تعلم أن بعض هذه اللجان أنشئت أصلا لخدمة الحوكمة، فإذا بها تصبح موضع العيب الذي كانت تسعى لتجنبه.

والذي يستحق التأمل أن اللجنة ليست قيمة حوكمية بذاتها، بل أداة علة: لا تكون حوكمية إلا بقدر ما تستجيب للعلة التي أنشئت من أجلها، وتبقى وفية لها. تتحدد قيمتها بهذه العلة وبكيفية تصميمها وإدارتها، لا بمجرد وجودها في الهيكل. وكثير من المؤسسات التي تكثر اللجان دون ضبط واضح تنتهي إلى بطء القرار، وذوبان المسؤولية، وتعطل المساءلة، ولو كانت كل لجنة منها مسجلة في اللائحة بصورة محكمة.

والمقصود هنا ليس كل لجنة تشغيلية عابرة، بل اللجان التي تنشأ لتؤثر في مسار القرار الحوكمي: اعتمادا، أو مراجعة، أو فصلا بين أدوار، أو ضبطا لمخاطر السلطة. وليس النقد هنا موجها إلى اللجنة كأداة، بل إلى لحظة انفصالها عن وظيفتها. فاللجنة الفاعلة من أنفع أدوات الحوكمة، ولا بديل لها في حالات مخصوصة. لكنها إذا أنشئت في غير موضعها، أو أديرت بغير وظيفتها، انقلبت من آلية ضبط إلى موضع عيب. واللجنة من أكثر الأدوات تعرضا لهذا الانقلاب.

أولًا: لماذا اللجان أصلا؟

ليست اللجنة ترفا تنظيميا، ولا حلة جمالية تضاف إلى الهيكل، بل آلية ضبط تستجيب لحاجات حوكمية مخصوصة. ومن لم يفهم وظيفتها الأصيلة، يسيء استعمالها لا محالة.

واللجنة تؤدي أربع وظائف أساسية في البناء الحوكمي:

أولا، توزيع عبء القرار: حين يكون القرار من التعقيد بحيث لا يحسن النظر فيه فرد واحد، تتدخل اللجنة لتوزيع العبء على أعضاء يجمعون تخصصات متكاملة. القرار الذي يستلزم خبرة مالية وقانونية وتقنية معا، لا يحسن من يحسمه شخص واحد مهما كان كفؤا.

ثانيا، الفصل بين الأدوار المتعارضة: في كثير من الحالات، ينبغي أن تفصل المؤسسة بين من يقرر ومن ينفذ ومن يراجع. واللجنة تتيح هذا الفصل بإحلال جماعة مستقلة في موقع القرار، يمنعها تكوينها من جمع الأدوار المتعارضة في يد واحدة.

ثالثا، توفير نظر مستقل: بعض القرارات تستلزم أن ينظر فيها من هو خارج السلطة التنفيذية المباشرة. واللجنة، حين تصمم باستقلال كاف، توفر هذا النظر، بعيدا عن ضغوط التنفيذ اليومي.

رابعا، إدارة المخاطر بتوزيع المراجعة: كلما زاد عدد من ينظر في القرار قبل اعتماده، قلت احتمالات الخطأ. واللجنة تفعل هذا بتوزيع المراجعة على أعضاء يتفاوتون في الزوايا والخبرات، فيكشفون ما قد يغفله صاحب القرار الفردي.

غير أن هذه الوظائف الأربع، عند ردها إلى عللها العملية، لا تستدعي أربع لجان، بل تكشف ثلاث علل لإنشاء اللجنة تبلغ فيها الحاجة حد الضرورة: التخصص، والاستقلال، والمراجعة. فوظيفة توزيع عبء القرار تستجيب لعلة التخصص؛ ووظيفتا الفصل بين الأدوار والنظر المستقل تستجيبان لعلة الاستقلال؛ ووظيفة توزيع المراجعة تستجيب لعلة المراجعة. ومتى استجابت اللجنة لعلة من هذه العلل، كانت ضرورة لا اختيارا.

ثانيًا: متى تكون اللجنة ضرورية؟

ليس كل موضوع يستحق لجنة، ولا كل قرار. فإنشاء اللجنة لذاتها، أو لتجنب اتخاذ قرار فردي، أو لاستيفاء شكل مؤسسي، يفقد وظيفتها ويجعلها عبئا.

واللجنة تكون ضرورية في ثلاث حالات:

الحالة الأولى، حالة التخصص: حين يستلزم القرار خبرات متعددة لا يجمعها فرد واحد. لا يحسن أن يحسم قرار استثماري كبير من غير تخصص مالي مع قانوني مع تخصص في القطاع المعني. واللجنة هنا تجمع التخصصات، وتتيح النظر المتعدد قبل الحسم.

الحالة الثانية، حالة الاستقلال: حين يستلزم القرار نظرا بعيدا عن متخذه التنفيذي المباشر. القرار الذي يتصل بمكافآت الإدارة التنفيذية مثلا، لا يحسن أن يتخذه التنفيذيون أنفسهم. وحين يتعلق الأمر بمراجعة أداء الإدارة العليا، ينبغي أن يكون النظر مستقلا عنها. واللجنة المستقلة توفر هذا، ولا يغني عنها غيرها.

الحالة الثالثة، حالة المراجعة: حين يستلزم القرار فحصا جماعيا لما اتخذه الأفراد. قرارات الإدارة التنفيذية في موضوعات حساسة، كالالتزام، والمخاطر، والتقارير المالية، والصفقات بالغة الأثر، تستحق مراجعة لاحقة من جهة جماعية. واللجنة هنا تفحص ما اتخذ، تراجع لا تنشئ.

وكلما زاد أثر القرار أو ارتفع احتمال الانحراف أو إساءة استعمال السلطة، اشتدت الحاجة إلى المراجعة الجماعية. لا لأن الفرد بالضرورة عاجز، بل لأن تعدد النظر ينتج موثوقية أعلى مما ينتجه نظر واحد: ما يغفله فرد يلتقطه آخر، وما قد يتأثر به فرد لا تتأثر به الجماعة بالقدر نفسه. وهذه وظيفة لا يملكها فرد واحد، مهما كان مختصا.

ما عدا هذه الحالات الثلاث، اللجنة قد تكون فائضا لا حاجة. والمؤسسة الراشدة تسأل قبل إنشاء أي لجنة: أي علة من هذه الثلاث تستجيب لها؟ فإن لم تجد جوابا واضحا، فهي تنشئ هيكلا لا أداة.

ثالثًا: متى تصبح اللجنة عبئا؟

تتحول اللجنة من أداة إلى عبء حين تخرج عن علتها الأصيلة، أو يختل تكوينها، أو يفسد تشغيلها. وصور هذا الانقلاب لا تقع في مرتبة واحدة، بل هي درجات في انحراف اللجنة عن علتها: فمنها لجنة أنشئت بلا علة حوكمية أصلا؛ ومنها لجنة أنشئت لعلة صحيحة ثم خانت تلك العلة في تكوينها أو في موضعها من القرار؛ ومنها لجنة صحت علتها، وقاربت تكوينها الصواب، ثم فسد تشغيلها. وبهذا التدرج تقرأ الصور الخمس الآتية، لا كآفات متفرقة، بل كصور تتفاوت في عمق الانفصال عن العلة.

الصورة الأولى: اللجنة الزائدة

هي اللجنة التي لا حاجة حقيقية لإنشائها أصلا. لا تستجيب لأي من العلل الثلاث، ومع ذلك أنشئت. ربما لأن الموضوع كان حساسا واحتاج غطاء جماعيا، أو لأن الإدارة العليا أرادت توزيع المسؤولية، أو لأن المؤسسة تتبنى نموذجا جاهزا لا يلائم حجمها وطبيعتها. والنتيجة: لجنة تستهلك وقت أعضائها بلا ثمرة حقيقية، وتضيف خطوة إجرائية إلى مسار القرار دون أن تضيف قيمة. بقاؤها يستهلك المؤسسة، وحلها يكون أنفع.

الصورة الثانية: اللجنة المتضخمة

هي اللجنة التي يتكاثر أعضاؤها بحيث تذوب فيها المسؤولية. الجماعة المعقولة توزع المسؤولية بحيث تبقى محددة، لكن الجماعة المتضخمة تذيب المسؤولية بين الجميع، فلا يبقى لأحد منها نصيب واضح. ويضاف إلى ذوبان المسؤولية ضعف النقاش: في اللجنة الكبيرة لا يستطيع كل عضو أن يبدي رأيه بعمق، فيختصر، أو يكتفي بالاستماع، أو يجامل. واللجنة المتضخمة تنتج قرارات يتخذها فعلا عدد قليل من أعضائها، يقنع بإجماع شكلي من الكثيرين.

الصورة الثالثة: اللجنة التي تخلط الأدوار

اللجنة في أصلها فصل بين الأدوار. لكن بعض اللجان تجمع في تكوينها أدوارا متعارضة: من ينفذ مع من يراجع، من يتخذ القرار مع من يحاسب عنه، من له مصلحة مع من ينبغي أن يحايد. حين تجتمع هذه الأدوار في لجنة واحدة، بطلت اللجنة وظيفتها الأصيلة، وهي الفصل، وتصبح إعادة إنتاج لتركز السلطة بصورة جماعية. والمثال الكاشف: لجنة مخاطر يراد بها تقويم مخاطر قرارات الإدارة التنفيذية، ثم يرأسها الرئيس التنفيذي نفسه. هنا يصبح من يقوم قراراته في موقع من يقود تقويمها؛ فيجري الاجتماع، ويكتب المحضر، لكن الفصل بين دور التنفيذ ودور تقدير المخاطر لم يحدث.

الصورة الرابعة: اللجنة المؤخرة للقرار

قد تكون مشروعة في أصلها، لكن طريقة عملها تجعلها أداة تعطيل لا أداة ضبط. تنعقد بمواعيد متباعدة، تحال إليها موضوعات لا تستحقها، تؤجل القرار من اجتماع إلى اجتماع، تطلب دراسات إضافية كلما اقترب القرار من الحسم. وفي بعض الحالات، تستخدم اللجنة عمدا كذريعة للتأجيل: من لا يريد أن يتخذ قرارا مصيريا، يحيله إلى لجنة. واللجنة تدرس، ثم تؤجل، ثم تطلب دراسة أخرى، حتى يفقد القرار أهميته أو يتجاوزه الواقع. واللجنة المؤخرة في هذه الحال تتحول من أداة حوكمة إلى أداة لتجنب الحوكمة.

وقد لا يكون تأخير اللجنة ناشئا عن قصد التعطيل، بل عن بيئة مؤسسية لا تميز بوضوح بين الخطأ في الاجتهاد بعد بذل العناية، وبين التقصير أو سوء التصرف. فعندئذ يميل الأعضاء إلى تأجيل الحسم، وطلب مزيد من الدراسات، وإحالة القرار إلى غيرهم، لا طلبا لمزيد من الجودة، بل اتقاء لتبعة قرار قد يسألون عنه لاحقا ولو اتخذوه بحسن نية. واللجنة هنا تتحول إلى أداة تحوط مفرط، لا أداة قرار. وعلاج هذا اللون من التعثر بنيوي لا نفسي: وضوح التفويض، وحسن الإعداد، وتوثيق أسباب القرار، وبناء حماية مؤسسية للقرار المتخذ بحسن نية على أساس مهني معقول.

فمن لا يحمى لا يقرر، ومن لا يقرر تتوقف عنده عجلة الحوكمة.

الصورة الخامسة: اللجنة الصورية

وهي أخطر صور الفشل، وأقربها إلى روح هذا المشروع كله. اللجنة الصورية لجنة منحتها اللائحة صلاحية حقيقية، لكن القرار الفعلي يصنع خارجها، ثم تستدعى لتغطية المسار واعتماد ما تم حسمه. تجتمع وتصوت وتوثق، لكن الجوهر — وهو النظر المستقل والقرار الجماعي — لا يحدث. وقد جرى التفصيل في أكثر من موضع سابق: حين يحسم القرار في مكتب الرئيس التنفيذي قبل أن يصل إلى اللجنة، تصبح اللجنة مجرد ختم على قرار جرى خارجها. والمؤسسة التي تسمح بهذه الصورة تفقد من حوكمتها أكثر مما تتوهم؛ لأن الأداة التي صممت لضبط القرار أصبحت تستعير الشرعية الشكلية لقرار لم تتخذه. والفجوة بين النص والأثر تجد في اللجنة الصورية أفصح تجلياتها. وهنا تحديدا يظهر موضع اللجنة من مسار القرار: لا قبل الحسم لتضبطه، بل بعده لتستره.

رابعًا: الصورة الصحيحة للجنة التي تكفي وحدها

لا تصبح اللجنة فاعلة لمجرد وجودها في الهيكل، بل تحتاج في تكوينها إلى عناصر تضبط صورتها الأولى: تخصص كاف يناسب وظيفتها، وعدد مناسب يحقق تنوع النظر دون إذابة المسؤولية، واستقلال معتبر حين تكون العلة هي الفصل أو المراجعة، وتفويض واضح يبين ما تملك اللجنة قراره وما ترفعه توصية، ورئاسة واعية تحفظ جدية النقاش ولا تترك اللجنة تنجرف إلى المجاملة أو الختم الشكلي.

وتحتاج كذلك في تشغيلها إلى انضباط لا يقل عن التكوين: اجتماع موصول بالحاجة لا بالعادة، وإعداد جاد يسبق الاجتماع بوثائق وتحليل كافيين، ونظر فعلي لا حضور شكلي، وتوثيق يكشف وجوه النظر وأساس القرار لا إثبات النتيجة وحدها. غير أن هذه المعايير، على لزومها، تبقى صورة اللجنة الصحيحة؛ ولا تصير هذه الصورة حوكمة إلا إذا بقيت اللجنة وفية لعلتها، واقعة في موضعها الصحيح من مسار القرار.

خامسًا: مشهد من الواقع

في إحدى المؤسسات، تنص لائحة الحوكمة على وجود لجنة استثمار منوط بها اعتماد جميع الاستثمارات التي تتجاوز قيمة معينة. اللجنة مكونة من خمسة أعضاء بتخصصات متكاملة. تفويضها واضح في اللائحة. وثائقها محكمة. تجتمع شهريا.

تأتي فرصة استثمارية كبيرة. يلتقي الرئيس التنفيذي بالمستثمر، يتناقشان، يتفقان على الخطوط العامة. يطلب الرئيس من فريقه إعداد الملف. يرسل الملف إلى لجنة الاستثمار قبل الاجتماع بثلاثة أيام، يتضمن توصية بالموافقة من الإدارة التنفيذية، مع تحليل مفصل يدعم التوصية.

تنعقد اللجنة. يستعرض الرئيس التنفيذي الفرصة، يشرح الجدوى، يرد على بعض استفسارات الأعضاء. يتناقش الأعضاء قليلا، يقدم أحدهم تحفظا على بعض التفاصيل، يجاب عليه بأن الفريق التنفيذي قد درسها. تصوت اللجنة بالإجماع لصالح الموافقة. يكتب المحضر، يوثق القرار، يمضى الاستثمار.

من حيث الشكل: كل شيء جرى وفق اللائحة. اللجنة اجتمعت، التوصية صدرت، التوثيق اكتمل. ومن يفحص الملف بعد سنة، لن يجد فيه ما يؤخذ.

من حيث الجوهر: القرار حسم في اجتماع الرئيس التنفيذي بالمستثمر. اللجنة لم تمارس صلاحيتها في النظر المستقل؛ بل اعتمدت ما رفع إليها مع توصية. لم تطلب بدائل، لم تفحص فرصا منافسة، لم تجر تحليلا مستقلا. النظر الذي وقع كان رد فعل على ما عرض، لا نظرا مستقلا في الموضوع.

ودلالة هذا المشهد أبعد من كونه مثالا على اللجنة الصورية: فاللجنة هنا استوفت معايير التكوين، تخصصا وعددا وتفويضا، وانتظمت في الاجتماع والتوثيق؛ ومع ذلك فشلت. والمعايير، على لزومها، لا تكفي وحدها ما لم تكن اللجنة في الموضع الصحيح من صناعة القرار. فالمعايير صورة، ووفاء اللجنة لعلتها في موضع القرار هو الأصل؛ واللجنة التي تستوفي الصورة وتفقد الأصل تصبح غطاء شرعيا لا أداة ضبط. وهذا هو الفرق الجوهري بين اللجنة كأداة واللجنة كعبء: الأولى تصنع القرار في حدود تفويضها، والثانية تختم على قرار جرى في غيرها.

سادسًا: اللجنة كاختبار لنضج المؤسسة

كل ما سبق من تحليل لمواضع الفشل ومعايير النجاح، ينتهي إلى نتيجة واحدة: اللجنة مرآة لنضج المؤسسة. المؤسسة الراشدة تملك لجانا قليلة فاعلة، محددة الوظيفة، صادقة في التشغيل. والمؤسسة المتعثرة تملك لجانا كثيرة شكلية، فائضة عن الحاجة، أو صورية، أو متضخمة، أو خالطة للأدوار، أو معطلة للقرار.

ومن أراد فحص حوكمة مؤسسة، فبعد أن يضبط معايير التكوين والتشغيل التي تقدمت، يبقى عليه سؤالان لا يجيب عنهما تفويض لجنة بمفردها، بل يفصحان عن نضج المؤسسة كلها:

الأول، عدد اللجان: فالكثرة المفرطة هيكل بلا حاجة، وتفتح باب اللجنة الزائدة؛ والقلة الشديدة علامة تركز للقرار في يد متضخمة. والعدد المناسب يتناسب مع حجم المؤسسة وتعقيدها، لا مع رغبة الإكثار أو الاختصار.

الثاني، صلة اللجان بمركز القرار الفعلي: وهو أدق الأسئلة وأكشفها. هل تصنع القرارات داخل اللجان، أم تصنع خارجها ثم تمر عليها؟ وهل تملك اللجنة أن ترفض ما يرفع إليها، أم لا تملك إلا الموافقة؟ فحيثما انفصل مركز القرار الفعلي عن اللجان، كانت اللجان صورية مهما دق تكوينها.

والإجابة عن هذين السؤالين تكشف حقيقة الحوكمة في المؤسسة أكثر مما تكشفه أي وثيقة.

خاتمة

اللجنة لا تكون أداة حوكمة بمجرد إنشائها، بل حين تؤدي العلة التي أنشئت من أجلها. ليست المشكلة في وجود اللجان، بل في أن تنشأ حيث لا حاجة حوكمية واضحة، أو تدار حيث لا أثر. واللجنة في أصلها آلية ضبط، لكنها قد تنقلب إلى موضع عيب إذا أنشئت بلا علة، أو خانت علتها في تكوينها وموضعها، أو فسد تشغيلها.

والمؤسسة الراشدة لا تكثر اللجان، ولا تستهين بها. تنشئ كل لجنة استجابة لعلة مخصوصة، تخصصا أو استقلالا أو مراجعة، وتصممها بمعايير محكمة في التكوين، وتشغلها بانضباط جاد، وتراجع لجانها دوريا: هل ما زالت تؤدي الوظيفة التي أنشئت لها؟ أم تحولت إلى عادة إدارية بلا وظيفة؟

وحين تختبر مؤسسة بميزان لجانها، ينكشف ما إذا كانت تستعمل اللجان أداة للحوكمة، أم تجعل لجانها غطاء شكليا لقرارات لا تصنع فيها. والفرق بينهما يكشفه سؤال واحد: هل قرارات المؤسسة تجري في لجانها، أم تجري خارجها ثم تمر عليها؟

وإذا كانت اللجنة مرآة لحوكمة المؤسسة، فإن الوثيقة التي تحكم المؤسسة كلها — لائحة الحوكمة — تستحق قراءة نقدية تكشف ما تستره صياغتها الشكلية.