«لا تُقاس الحوكمة بكثرة أدواتها، بل بقدرتها على إنتاج قرار عادل.»

يُكثر الخِطاب الحَوكمي من الحَديث عن الحَوكمة بوصفها أداةً أو مُخرَجاً. يُقال كيف تُبنى، وكيف تَتَكَوَّن أدواتها، وكيف تُفَعَّل لجانها، وكيف تُوَثَّق إجراءاتها. ويَقلّ جداً من يَسأل السؤال الأَعمق: بأيّ ميزان نَحكم على الحَوكمة نَفسها؟ متى نَقول إنّها نَجَحَت، ومتى نَقول إنّها فَشلت رَغم اكتمالها الشَكلي؟

هذا السؤال ليس فَلسفياً مُجَرَّداً، بل هو السؤال المِحوَري الذي يَتَوَقَّف عليه كلّ ما سَبَقه. لأنّ الحَوكمة وَسيلة، وكلّ وَسيلة تَحتاج إلى معيار يُقاس به نَجاحها. والمعيار الذي يَطرحه هذا المقال هو عَدالة القرار المؤسسي: أنّ الحَوكمة لا تُقاس بكَثرة أدواتها، بل بـقُدرتها على إنتاج قرار عادل في تَكوينه، ونَظَره، واعتبار حقوقه، وإمكان مُراجعته.

وقبل المُضيّ، لا بُدّ من تَحرير عاجل: العَدالة المقصودة هنا ليست عَدالة أخلاقية عامّة، ولا عَدالة قانونية، ولا مُجرّد رضا الأَطراف المَعنية. هي عَدالة مؤسسية مَخصوصة تَتَعَلَّق بمَسار القرار وبنائه وإمكان مُراجعته. ومن هنا تَأتي أهمّية المقال: لا لأنّه يَتَحَدَّث عن العَدالة بوصفها قِيمة أخلاقية، بل لأنّه يَتَحَدَّث عنها بوصفها أداة فَحص يُختَبر بها البناء الحَوكمي.

أولًا: من سؤال البناء إلى سؤال التَقويم

يَغلب على كثير من الكتابة في الحَوكمة أن تَنشغل بسؤال البناء: كيف تُبنى الحَوكمة، وكيف تُفَكَّك مبادئها، وكيف تُفَعَّل أدواتها، وكيف يُتَجَنَّب الانفصال بين نصوصها وأَثرها. لكنّ البناء لا يُختَبر بذاته، بل بـما يُنتجه.

ومن أَعمَق ما تَخدمه الحَوكمة أن تُنتج المؤسسةُ قَرارًا عادلًا في تَكوينه، ونَظَره، واعتبارِ حُقوقه، وإمكانِ مُراجعته، إذ لا تَستقيم الثِقةُ، ولا المُساءلةُ، ولا الاستدامةُ، إذا كان القرارُ نَفسُه مَعيبًا في عَدالته.

ومن هنا يَنقلب السؤال: إذا كانت عَدالة القرار غايةً مَركزيةً للحَوكمة، فلماذا لا نَستخدمها معياراً لتَقويمها؟ فمن يَرى الحَوكمة عاجزةً عن إنتاج قَرار عادل في أركانه، لا يَحتاج إلى فَحص أدواتها واحدةً واحدةً؛ لأنّ الأَثر النهائي قد كَشَف له أنّ في البناء خَلَلاً، مَهما بَدا مُكتَمِلاً في ظاهره.

ثانيًا: ما عَدالة القرار المؤسسي؟

العَدالة من أكثر الألفاظ التباساً في الخِطاب العامّ، ولهذا يَلزم تَحريرها بدقّة قبل البناء عليها.

ليست العَدالةُ المؤسسيّة هي العَدالةَ الأخلاقيّةَ العامّة، وإن كانت لا تَنفصل عنها في أصلها القِيَمي؛ فذلك مَعنًى كُلّيٌّ تَتناوله مَجالاتٌ أوسعُ من نطاق هذا المقال. وليست هي العَدالةَ القانونيّةَ بمعناها الإجرائيّ والقضائيّ، بما يَقوم عليه من مُساواةٍ أمام النصّ، وقَرينةِ البراءة، وحقِّ الدِفاع. وليست هي رِضا الأطراف، فقد لا يَرضى الأطرافُ عن قَرارٍ استَوفى شُروطه المؤسسيّة، وقد يَرضَون عن قَرارٍ شابَه خَلَلٌ في تَكوينه أو مَساره.

والعَدالة المقصودة هنا ليست نَفياً للمَعنى الكُلّي للعَدالة، ولا استغناءً عن مَرجعيتها الشَرعية والأخلاقية، بل هي تَحرير لوَجهٍ مَخصوص منها داخل الحَوكمة المؤسسية. فهي تُفهَم في ظِلّ تلك المَرجعية ولا تَنفصل عنها، لكنّها في هذا المقال تُبحَث بوصفها صِفة تَتَعَلَّق بمَسار القرار وبنائه وإمكان مُراجعته، لا بوصفها حُكماً كُلّياً على العَدالة في مَعناها الأَوسع.

هي صِفة مَخصوصة للقرار تَتَعَلَّق بمَسار اتخاذه، تَقوم على أَربعة أركان: أن تَتَكَوَّن سلطة القرار بصورة لا تُخِلّ بالتَوازن، وأن يُتاح لمن يَنبغي أن يَنظر في القرار أن يَنظر فيه نَظَراً حَقيقياً، وأن تُراعى الحقوق التي يَتَّصل بها القرار، وأن يَكون القرار قابلاً للمُراجَعة والمُساءلة.

فإذا تَوَفّرت هذه الأركان، قُلنا إنّ القرار عادل في بِنائه، بغَضّ النَظَر عن كَون نَتيجته مُرضيةً أو غَير مُرضية. وإذا اختَلّ ركنٌ منها، قُلنا إنّ القرار مَعيب عَدالياً، وإن كان مُعتَمَداً شَكلياً.

ثالثًا: الأركان الأربعة لعَدالة القرار

الركن الأوّل: عَدالة في تَكوين سلطة القرار

أَوّل ما يُسأل عنه في فَحص عَدالة القرار: من اتَّخذه؟ وكيف تَكَوَّنت سلطته في اتخاذه؟

السلطة التي تَتَّخذ القرار ليست شَيئاً مَحايداً؛ فهي تَتَشَكَّل بطَريقة ما، وتَكتسب صلاحيتها من مَصدر ما، وتَعمل في حُدود ما. وإذا كانت قد تَكَوَّنت بطَريقة مَعيبة — كأن تَتَرَكَّز في يَد واحدة دون ضَوابط، أو تُعْطَى لجِهة لا تَملك أَهلية القرار المَوضوعي، أو تُبنى على تَفويضات غير واضحة — فإنّ القرار الناتج عنها يَحمل عَيب مَصدره في تَكوينه.

وأَبرز صُور هذا الخَلل: أن تَجتمع في الجِهة الواحدة أدوار مُتَعارضة في القرار — تَقريره، وتَنفيذه، والرَقابة عليه — دون فواصل كافية. وأن يَكون صاحب القرار له مصلحة مُباشَرة في نَتيجته. وأن يَكون القرار اتُّخذ في غياب من يَنبغي أن يُشارك فيه بحَسب البناء المُعتَمَد.

سؤالُ هذا الرُكن: هل السلطةُ التي اتّخذت هذا القرار هي التي يَنبغي أن تَتّخذه؟ وهل تَكوّنت بطَريقة لا تَقدح في مَشروعيتها؟

الركن الثاني: عَدالة في التَمكين من النَظَر قبل القرار

القرار العادل يَفترض أنّ من اتَّخذه قد نَظَر فيه نَظَراً حَقيقياً. والنَظَر ليس مُجَرَّد الاطلاع على المَلَفّ، بل مَعناه: إتاحة المَعلومات الكافية، وتَوفير الوَقت الكافي، وإشراك من يَنبغي إشراكه، وإتاحة النِقاش قبل الحَسم.

وكَثير من القرارات تَفشل في هذا الركن بالذات: تُعرَض الوَرقة في آخر لَحظة، أو تُقَدَّم بمَعلومات ناقصة أو مُنحازة، أو يُحسم الأمر قبل الاجتماع ثم يُطلب الاعتماد، أو تُقصى الأَطراف التي يَنبغي أن تَشارك فيه.

وسؤال هذا الركن: هل أُتيح لصاحب القرار — ولمَن يَنبغي أن يُشاركه — أن يَنظر نَظَراً حَقيقياً قبل الحَسم؟

الركن الثالث: عَدالة في مُراعاة الحقوق التي يَتَّصل بها القرار

كلّ قَرار مؤسسي يَتَّصل بحقوق أَطراف مُعَيَّنين: مُساهمين، مُوَظَّفين، عُملاء، مُوَرِّدين، شُركاء، مُجتَمع. وبعض هذه الحقوق قانونية مَنصوصة، وبعضها تَعاقدية، وبعضها مَشروعة بحَسب طَبيعة العَلاقة.

والقرار العادل لا يَكتفي بألّا يَنتهك هذه الحقوق صَراحةً، بل يُراعيها في أَصل بنائه. يَعرف مَن يَتَّصلون بالقرار قبل اتخاذه، ويُدخل مَصالحهم في الاعتبار لحظة صياغته، لا بعد وُقوع الأَثر عليهم. والقرار الذي يُعَدّ دون أن يَعرف من سيُؤَثّر فيهم، يَأخذ مَسار صاحبه، لا مَسار من يَتَّصل به.

وإهمال هذا الركن من أَخَفّ صُور الخَلل، وأَخطرها في آنٍ واحد. خَفيف لأنّه قَلّما يُكتشف في لَحظة القرار، وخَطير لأنّه يَتَراكم: قَرار يَتَجاوز حقوق طَرَف، ثم قَرار ثانٍ، ثم ثالث، حتى تُصبح ثقافة المؤسسة قائمةً على أنّ بعض الأَطراف يُتَجاوَز حقوقهم لأنّ صَوتهم أَضعف.

وسؤال هذا الركن: من يَتَّصل بهذا القرار؟ وهل أُعطي كلّ صاحب حقّ نَصيبه من الاعتبار عند اتخاذه، لا بعد وُقوع أَثره عليه؟

الركن الرابع: عَدالة في إمكان مُراجعة القرار والمُساءلة عنه

القرار العادل ليس قَراراً نهائياً مَحصوراً عن الطَعن والمُراجَعة، بل قَرار قابل للفَحص اللاحق. هذا الركن يَختلف عن بَقية الأركان في أنّه لا يَنظر إلى لَحظة الاتخاذ، بل إلى ما بعدها: هل يُمكن لمن يَنبغي أن يُراجع القرار أن يُراجعه؟ هل يَستطيع من تَضَرَّر منه أن يَطعن فيه؟ هل صاحب القرار مَعروف، وقابل للمُساءلة عنه؟ هل المسار الذي جَرى فيه القرار مُوَثَّق بما يَكفي لفَحصه؟

والقَرار الذي يُتَّخذ بطَريقة تَجعله عَصِيّاً على المُراجَعة — كأن يُتَّخذ شَفاهةً، أو دون تَوثيق، أو باسم "اللجنة" بلا نِسبة واضحة، أو في جِهة لا تُسائلها جِهة أَعلى — هذا القَرار يَفقد ركناً من أركان عَدالته، بصَرف النَظَر عن نَتيجته.

وسؤال هذا الركن: هل هذا القرار قابل للفَحص لاحقاً؟ هل صاحبه مَعروف ويُمكن مُساءلته عنه؟ هل يَملك من يَتَضَرَّر منه سَبيلاً للطَعن فيه؟

رابعًا: عَدالة الإجراء أم عَدالة النتيجة؟

يَطرح ما سَبَق سؤالاً دَقيقاً: هذه الأركان الأربعة كلّها تَتَعَلَّق بـمَسار اتخاذ القرار، لا بـنَتيجته. فهل يَعني هذا أنّ الحَوكمة تَغضّ النَظَر عن نَتيجة القرار ما دام إجراؤه سَليماً؟ وماذا لو كان الإجراء عادلاً لكنّ النَتيجة جائرة؟ أو العَكس؟

هذا السؤال فَلسفي قَديم، يُسَمّى في أدبيات القرار المؤسسي بالفَرق بين عَدالة الإجراء (Procedural Fairness) وعَدالة النَتيجة (Substantive Fairness). وله جَواب دَقيق في سياق الحَوكمة.

الحَوكمة تُركّز على عَدالة الإجراء لا لأنّها تَحتقر النَتيجة، بل لأنّها ما تَملك ضَبطه. النَتيجة تَتَأَثَّر بعَوامل كَثيرة خارجة عن البناء الحَوكمي: ظُروف السوق، مُتَغَيِّرات لم تَكن مَعروفة، سُلوكيات أَطراف خارجية، حظّ وتَوفيق. ولا تَملك الحَوكمة أن تَضمن نَتيجة القرار، لأنّ النَتيجة لا تَنشأ من القرار وَحده، بل من تَفاعله مع الواقع.

لكنّ الحَوكمة تَملك أن تَضمن مَسار القرار: أن يَتَّخذه من يَنبغي، بعد نَظَر حَقيقي، مع مُراعاة الحقوق، وبإمكان مُراجَعة لاحقة. وإذا ضَمنت هذا، فقد ضَمنت أنّ النَتيجة — أيّاً كانت — نَشَأت من مَسار مَشروع.

وهذا لا يَعني أنّ الحَوكمة تُهمل النَتيجة تَماماً. فالنَتيجة المُتَكَرِّرة السيّئة من مَسار يَبدو سَليماً إشارة إلى أنّ المَسار ليس سَليماً فِعلاً. لكنّ المَسار هو نُقطة الفَحص الأولى، والنَتيجة تَأتي بعدها.

الإجراءُ العادل لا يَضمن نَتيجةً عادلة، لكنّه يَمنع أن تكون النتيجةُ ثَمرةَ مَسارٍ مَعيب.

خامسًا: ما الذي يُفسد عَدالة القرار؟

الأركان الأربعة تُمَثِّل ما يَنبغي أن يَكون. وفي مُقابلها، خَمسة مُفسدات تَتَكَرَّر في الممارسة:

تَرَكُّز السلطة: حين يَجمع شَخصٌ واحد أو جِهة واحدة صلاحيات مُتَعارضة في قَرار بعَينه، فيَصبح هو المُقَرِّر والمُنَفِّذ والمُراقب. وهذا مُفسد مَصدري: يَعيب القرار من لَحظة تَكَوّن سلطته، قبل أن يُتَّخذ.

إفقار النَظَر: حين تُحسم القرارات في غياب المَعلومة الكافية أو الوَقت الكافي أو المُشاركة الكافية. وهذا مُفسد إجرائي: يَعيب القرار في لَحظة النَظَر فيه، بتَحويل النَظَر إلى صورة شَكلية.

إهمال الحقوق: حين يَعبر القرار فَوق أَطراف يَتَّصل بهم، دون أن يُحسبوا في أَصل التَكوين. وهذا مُفسد مَوضوعي: يَعيب القرار في مُحتَواه، لا في مَساره.

تَضارب المصالح المُهمَل: حين يَتَّخذ القرار من له مصلحة مُباشَرة في نَتيجته، دون إفصاح أو تَنَحٍّ أو ضَوابط. وهذا مُفسد مُرَكَّب: يَعيب القرار في تَكوين سلطته، وفي مُراعاة حقوقه، وفي قابلية مُراجعته مَعاً. ولشِدّة خَطره، يَستحقّ مَقاماً مُستقلاً.

تَعطيل المُراجَعة: حين يُصاغ القرار بطَريقة تَحميه من الفَحص اللاحق — بلا تَوثيق، بلا نِسبة، بلا مَرجع. وهذا مُفسد لاحق: يَعيب القرار بعد اتخاذه، بإخراجه من دائرة المُحاسبة.

وهذه المُفسدات لا تَعمل مُنفَصلةً في الغالب، بل تَتَرَكَّب. فتَرَكُّز السلطة يَفتح باب إفقار النَظَر، وإفقار النَظَر يَفتح باب إهمال الحقوق، وتَعطيل المُراجَعة يَحمي هذا كلّه من الانكشاف. والمؤسسة التي تَسمح بمُفسِد واحد، تَفتح الباب لبَقيته.

سادسًا: مَشهد من الواقع

في إحدى المؤسسات، تَشغر قيادة إحدى الإدارات المَحورية. تَعقد لجنة التَرشيحات اجتماعها، وتُناقش مَعايير التَعيين، وتَعتَمد مَعايير تَبدو مُنضبطة: خِبرة لا تَقلّ عن عَدد مُعَيَّن من السَنوات، شَهادة في تَخَصُّص مُحَدَّد، قيادة فِرَق بحَجم مُعَيَّن، لُغة إنجليزية مُمتازة، خِبرة دَولية. كلّ مَعيار مَعقول في ذاته، وكلّ مَعيار مَكتوب بصياغة مُحكَمة.

تُعلن الوَظيفة، وتُفتَح للتَقديم. يَتَقَدَّم عَدد من المُرَشَّحين، ويَجرى فَرزهم بحَسب المَعايير، فيَبقى ثلاثة. تَعقد اللجنة المُقابَلات، تُناقش، تُوصي، يُرفَع الأمر للمَجلس، يُعتَمد التَعيين. كلّ خُطوة وُثِّقت. كلّ قَرار صَدر في مَوضعه. كلّ شَهادة مَوجودة في المَلَفّ.

لكن حين يُسأل عن أَصل هذه المَعايير، تَتَضح صورة أُخرى. المَعايير وُضعت بعد أن كان في ذِهن من صاغها مُرَشَّح بعَينه. الخِبرة المَطلوبة تَنطبق عليه. التَخَصُّص المَطلوب تَخَصُّصه. حَجم الفِرَق الذي قادها يُطابق المَطلوب بالضَبط. حتى الخِبرة الدَولية المَطلوبة — تَنطبق على تَجرِبة دَولية واحدة له بعَينه.

وحين يُسأل أعضاء اللجنة: "لماذا هذه المَعايير تَحديداً ولَيست غَيرها؟"، لا يَجدون جَواباً واضحاً. لأنّ المعيار لم يُبنَ على الدَور، بل بُني على من أُريد له الدَور. فكان المُرَشَّح هو الأصل، والمَعايير هي الفَرع المَبنيّ عليه.

من حيث الشَكل: القرار عادل. اللجنة اجتَمَعَت. المَعايير وُضعت قبل الإعلان. المُقابَلات أُجريت. التَوصية صَدرت. الاعتماد تَمّ. المُرَشَّح الذي فاز هو الذي حَصل على أَعلى الدَرجات.

من حيث عَدالة القرار: القرار مَعيب في ثلاثة من أركانه الأربعة.

في الركن الأوّل (تَكوين سلطة القرار): اللجنة التي اتَّخذت القرار لم تَكن تَعرف أنّ المَعايير مُصَمَّمة لمُرَشَّح بعَينه، وبَعض أعضائها كانوا يَعرفون المُرَشَّح مَعرفة شَخصية دون إفصاح.

في الركن الثاني (التَمكين من النَظَر): المَعلومات التي عُرضت على اللجنة كانت مَحصورة في الثلاثة المُرَشَّحين الذين اجتازوا الفَرز، دون أن يُعرض على اللجنة مَنطق المَعايير نَفسها.

في الركن الثالث (مُراعاة الحقوق): المُرَشَّحون الآخَرون دَخلوا سِباقاً غَير مُتَكافئ من حيث لا يَعلمون. حقوقهم في عَملية تَنافسية عادلة لم تُراع.

في الركن الرابع (إمكان المُراجَعة): يَصعب الطَعنُ في القرار لأنّ التَوثيق كلّه يَبدو مُنضبطاً شَكلياً. والانحياز الجَوهري في صياغة المَعايير لا يَظهر في مَحاضر الاجتماعات.

وهذا هو الفَشل الذي يَستحقّ التَسمية: القرار استَوفى شَكله، لكنّه تَعَثَّر في عَدالته. الانحياز لم يَكن في الإعلان، بل في أَصل بناء المَعايير.

سابعًا: عَدالةُ القرار مِعيارًا لتَقويم الحَوكمة

إذا كانت عَدالة القرار بهذا المَعنى، فكيف نَستخدمها لتَقويم الحَوكمة في مؤسسة ما؟

الطَريقة المباشرة: نَختار عَيّنة من القرارات المِحوَرية التي اتَّخذتها المؤسسة، ونَفحصها بأسئلة الأركان الأربعة. لا نَكتفي بأن نَسأل: هل كان القرار مُوَثَّقاً؟ وهل جَرى في مَساره؟ وهل اجتَمَعَت اللجنة المُخَوَّلة؟ فهذه أسئلةٌ تَكشف الفَجوة بين النَصّ والأَثر. لكنّ تَقويم عَدالة القرار يَتقدّم خُطوةً أُخرى، فيَسأل:

هل تَكَوَّنت سلطة اتخاذ هذا القرار بصورة سَليمة؟ هل من اتَّخذه يَملك أَهلية اتخاذه؟ هل كانت هناك تَعارضات مصالح مُحتَمَلة؟ هل شارَك فيه من يَنبغي؟

هل تَمَكَّن صاحب القرار من النَظَر فيه نَظَراً حَقيقياً؟ هل أُتيحت المَعلومات الكافية؟ هل كان الوَقت كافياً؟ هل عُرضت البَدائل بمَوضوعية؟ هل سُمع من يَنبغي أن يُسمع؟

هل رُوعيت الحقوق التي يَتَّصل بها القرار؟ من هم الأَطراف الذين يُؤَثّر فيهم؟ هل أُعطيت حقوقهم ما تَستحقّ من اعتبار؟

هل القرار قابل للمُراجَعة والمُساءلة؟ هل صاحبه مَعروف؟ هل مَساره مُوَثَّق بما يَكفي لفَحصه؟ هل يَملك من تَضَرَّر منه سَبيلاً للطَعن فيه؟

فإذا كانت إجابات هذه الأسئلة الأَربعة إيجابيةً بشكل مُتَكَرِّر، فالحَوكمة في هذه المؤسسة تَعمل. وإذا كانت مُختَلَّة، فالحَوكمة في هذه المؤسسة ناقصة الأَثر، ولو اكتَمَلت أدواتها.

خاتمة

لا تُقاس الحَوكمة بكَثرة ما تَملكه من أدوات، بل بـقُدرتها على إنتاج قَرار عادل في تَكوينه، ونَظَره، واعتبار حقوقه، وإمكان مُراجعته. فالحَوكمة التي تَملك اللوائح واللجان والسياسات، لكنّها تُنتج قرارات مَعيبة في أركانها، هي حَوكمة ناقصة الأَثر، مَهما كانت مُستوفاة في شَكلها.

والعَدالة المقصودة هنا ليست عَدالة أخلاقية عامّة، ولا عَدالة قانونية، ولا رضا الأَطراف. هي عَدالة مؤسسية مَخصوصة، قابلة للفَحص بأركانها الأربعة، ومَرصودة في كلّ قَرار تَتَّخذه المؤسسة. وهي — مع ذلك — لا تَنفصل عن المَرجعية الشَرعية والأخلاقية الأَوسع، بل تَعمل في ظِلّها، وتَفهم نَفسها بوصفها وَجهاً مَخصوصاً من العَدالة، لا بَديلاً عنها.

وإذا تَعَلَّمنا أن نَقرأ الحَوكمة عَبر قراراتها لا عَبر وَثائقها، لأَمكَنَنا أن نُمَيِّز — منذ قَرار واحد — ما إذا كانت المؤسسة أمامنا تَملك حَوكمة، أم تُفَعِّلها فعلاً، أم تَكتفي باستيفاء شَكلها. وهذه مَهارة تَحليلية يَحتاجها الباحث والمُراجع والمُصَمِّم على السَواء.

وإذا كانت عَدالة القرار تُقاس بأركانها الأَربعة، فإنّ أَخَفّ مُفسداتها وأَكثَرها تَكَرُّراً في الممارسة هو تَعارض المصالح. وهو سؤال يَستحقّ مَقاماً مُستقلاً.